من الروبوتات إلى تهميش الذاكرة الحسانية.. فعاليات طانطان تضع مؤسسة ألموكار ووكالة الجنوب أمام مساءلة اليونسكو وتلتمس تدخلاً ملكياً لإنقاذ موسم أمكار

هئية التحرير7 نوفمبر 2026آخر تحديث :
من الروبوتات إلى تهميش الذاكرة الحسانية.. فعاليات طانطان تضع مؤسسة ألموكار ووكالة الجنوب أمام مساءلة اليونسكو وتلتمس تدخلاً ملكياً لإنقاذ موسم أمكار

في خطوة تعكس تنامي القلق داخل الأوساط الثقافية والمدنية والحقوقية والإعلامية بإقليم طانطان، بادرت مجموعة من الهيئات والفعاليات المحلية إلى مراسلة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، مطالبة بفتح تحقيق وتقييم مؤسساتي بشأن ما وصفته بالاختلالات والتجاوزات التي رافقت تنظيم النسخة التاسعة عشرة من موسم طانطان، المنعقدة خلال الفترة الممتدة من 30 أكتوبر إلى 3 نونبر 2026، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وتأتي هذه المبادرة في سياق نقاش محلي متصاعد حول مستقبل هذا الموعد الثقافي والتراثي، الذي يحظى بمكانة دولية باعتباره أحد أبرز فضاءات التعبير عن الهوية الثقافية الحسانية، والذي أُدرج ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية سنة 2008، غير أن دورته الأخيرة أثارت، بحسب الهيئات المبادرة، جملة من التساؤلات بشأن مدى احترام فلسفة صون التراث الإنساني، وحقيقة إشراك حامليه الأصليين في تدبيره وتطوير برامجه.

احتجاجات النساء.. جرس إنذار بشأن إقصاء حاملي التراث

ومن أبرز القضايا التي استندت إليها المراسلة، الاحتجاجات والاعتصامات التي خاضتها مجموعة من النساء الصحراويات صاحبات الخيام التقليدية والتراثية، تعبيراً عن استيائهن من طريقة تدبير المشاركة والاستفادة من البرامج والدعم المخصص للخيام الموضوعاتية.

وترى الهيئات المراسلة أن هذه الاحتجاجات تجاوزت حدود خلاف تنظيمي عابر، لتطرح أسئلة عميقة حول موقع المرأة الصحراوية في السياسات الثقافية المرتبطة بصون التراث الحساني، ومدى الاعتراف بدورها التاريخي في المحافظة على الخيمة الصحراوية والعادات والتقاليد والمعارف المتوارثة.

وتؤكد أن الخيمة ليست مجرد فضاء للعرض أو ديكور احتفالي ضمن برنامج موسمي، وإنما هي مؤسسة اجتماعية وثقافية تختزن الذاكرة الجماعية وأنماط العيش والتقاليد والروابط الإنسانية للمجتمع الصحراوي، وأن تهميش النساء حاملات هذا الموروث أو إقصاء بعضهن من المشاركة الفعلية يطرح إشكالاً حقيقياً حول مدى انسجام الممارسات التنظيمية مع أهداف صون التراث الثقافي غير المادي.

الروبوتات والتكنولوجيا في مواجهة التراث الشفهي.. أين ذهبت الأولويات الثقافية؟

ومن بين أكثر النقاط إثارة للجدل في المراسلة، ما يتعلق بالاعتمادات المالية التي وُجهت إلى برامج التحديث التكنولوجي والرقمنة والتقنيات الحديثة، والصفقات المرتبطة باقتناء وتشغيل الروبوتات والأنظمة الآلية خلال فعاليات الموسم.

وفي هذا السياق، تطرح الهيئات تساؤلات بشأن طبيعة الأولويات التي حكمت توجيه الموارد المالية، ومدى التناسب بين الاعتمادات المرصودة للتجهيزات التكنولوجية والعروض التقنية، وبين الاستثمارات المخصصة لتوثيق التراث الشفهي الحساني، ودعم الرواة والشيوخ والنساء حاملات الذاكرة التقليدية، وتشجيع الشعر الحساني والفنون الشعبية والمعارف الثقافية المتوارثة.

واعتبرت أن التكنولوجيا يفترض أن تكون وسيلة لتوثيق التراث وحمايته ونقله إلى الأجيال المقبلة، لا أن تتحول إلى بديل عن الإنسان أو إلى واجهة استعراضية تطغى على المضمون الثقافي والإنساني للموسم.

كما دعت إلى الكشف عن تفاصيل الصفقات المرتبطة بهذه البرامج، والشركات المستفيدة منها، وكلفتها المالية، ومعايير إسنادها، ومدى ارتباطها بالأهداف الثقافية المعلنة للموسم، مع إخضاعها للتقييم والتدقيق من الجهات المختصة.

وحذرت الهيئات من أن الإخفاق في صون الهوية الثقافية الحسانية والذاكرة التاريخية للمجتمع الصحراوي، في الوقت الذي تُرصد فيه اعتمادات مالية مهمة للتقنيات الاستعراضية، قد يتحول إلى هدية مجانية لخصوم الوحدة الترابية للمملكة، الذين قد يستثمرون مظاهر التراجع والتهميش الثقافي في حملاتهم الدعائية والتشكيكية.

وأكدت أن حماية الوحدة الترابية لا تنفصل عن حماية الذاكرة الجماعية وصيانة الخصوصية الحضارية للأقاليم الجنوبية، وأن الدفاع عن الهوية المغربية الصحراوية يمر أيضاً عبر سياسات ثقافية جادة تنصف الإنسان وتحمي الموروث وتضمن استمراريته.

مؤسسة ألموكار ووكالة الجنوب أمام أسئلة الحكامة والمسؤولية

وفي جانب آخر، دعت الهيئات إلى إخضاع طريقة تدبير الموسم لتقييم مؤسساتي شامل، مع تسليط الضوء على مسؤولية مؤسسة ألموكار ووكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية، وباقي الشركاء والمتدخلين، في تحديد الاختيارات الثقافية والمالية والتنظيمية التي رافقت النسخة التاسعة عشرة.

وتطالب هذه الهيئات بتوضيح معايير توزيع الدعم المخصص للخيام التراثية والموضوعاتية، والكشف عن طبيعة الصفقات والاعتمادات المالية الموجهة إلى البرامج التكنولوجية، وتقييم مدى إشراك الفاعلين المحليين والنساء والشيوخ وحاملي التراث في إعداد وتنفيذ البرامج.

كما تشدد على ضرورة إرساء آليات مؤسساتية للشفافية والمساءلة، ونشر التقارير المالية والتقنية المرتبطة بالموسم، بما يسمح للرأي العام المحلي والوطني بالاطلاع على كيفية تدبير الموارد العمومية والشراكات، ومدى انعكاسها على التنمية الثقافية والاجتماعية بالإقليم.

اليونسكو مطالبة بالتدخل وتفعيل آليات التتبع والتقييم

وانطلاقاً من المكانة الدولية التي يحظى بها موسم طانطان منذ إدراجه سنة 2008 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، تلتمس الهيئات المراسلة من منظمة اليونسكو إحالة الملف على المصالح المختصة بقطاع الثقافة والتراث الثقافي غير المادي، ودراسة الملاحظات والمعطيات المرتبطة بالدورة الأخيرة، والنظر في إمكانية إجراء تقييم مستقل لمدى احترام المبادئ والالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي.

كما تطالب المنظمة بتوجيه ملاحظات ومراسلات مؤسساتية إلى الجهات المعنية، وفي مقدمتها مؤسسة ألموكار ووكالة الجنوب، من أجل تقديم توضيحات بشأن الاختيارات المعتمدة، والاستجابة للملاحظات المثارة، والعمل على تصحيح الاختلالات التي قد يثبتها التقييم.

وتدعو كذلك إلى تفعيل آليات المتابعة والتقييم التي تتيحها الاتفاقية الدولية، ودراسة التدابير المناسبة، بما فيها مراجعة وضعية إدراج الموسم ضمن القائمة التمثيلية، إذا أظهرت نتائج التقييم وجود إخلالات جوهرية ومستمرة بشروط صون التراث الثقافي غير المادي.

وتؤكد الهيئات أن مطلبها لا يستهدف المساس بالمكانة الدولية لموسم طانطان، وإنما يرمي إلى حماية مصداقية الاعتراف الأممي به، وضمان عدم تحوله إلى مجرد تظاهرة احتفالية منفصلة عن المجتمع الذي يحمل ذاكرته ويصون تراثه.

التماس تدخل ملكي سامٍ لإعادة الاعتبار لموسم طانطان

وبموازاة التحرك المؤسساتي الموجه إلى اليونسكو، تلتمس الهيئات الثقافية والمدنية والحقوقية والإعلامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس تدخلاً سامياً من أجل إعادة الاعتبار لموسم طانطان، وحماية رسالته الحضارية والإنسانية، وتوجيه الجهات والمؤسسات المعنية نحو مراجعة أساليب تدبيره وتطوير نموذجه التنظيمي والثقافي.

وترى الهيئات أن الرعاية الملكية السامية التي يحظى بها هذا الموعد التراثي تقتضي صيانة أهدافه الأصلية، وضمان ترجمة هذه الرعاية إلى حكامة ثقافية مسؤولة، تجعل من الموسم فضاءً للإنصاف والتعددية والمشاركة، وتعيد الاعتبار للإنسان الصحراوي باعتباره الحامل الحقيقي لذاكرته الثقافية.

كما تدعو إلى فتح نقاش وطني ومؤسساتي حول مستقبل الموسم، بمشاركة الفاعلين الثقافيين والمدنيين والإعلاميين والنساء والشيوخ والباحثين والمهتمين بالتراث الحساني، من أجل بلورة تصور جديد يعيد ترتيب الأولويات، ويضمن توجيه الاستثمارات والاعتمادات المالية نحو حماية التراث الحي وتوثيقه وتثمينه.

موسم طانطان ليس مجرد تظاهرة.. إنه ذاكرة جماعية ومسؤولية وطنية

وتشدد الهيئات المبادرة إلى هذه الخطوة على أن الدفاع عن موسم طانطان لا يعني الدفاع عن أشخاص أو مؤسسات أو اختيارات تنظيمية بعينها، كما أن المطالبة بالتحقيق والمساءلة لا تعني التنكر للمجهودات المبذولة في تنظيمه، وإنما تنطلق من الحرص على حماية هذا الموروث الإنساني من كل الممارسات التي قد تفرغه من مضمونه التاريخي والثقافي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.