الجنسية الإسبانية للصحراويين.. حين يتحول القانون إلى سؤال سياسي وذاكرة استعمارية معلّقة

هئية التحريرمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
الجنسية الإسبانية للصحراويين.. حين يتحول القانون إلى سؤال سياسي وذاكرة استعمارية معلّقة

تتداول الأوساط السياسية والحقوقية في إسبانيا منذ أشهر مشروعاً يقترح منح الجنسية الإسبانية لفئة من الصحراويين المرتبطين تاريخياً بفترة الإدارة الإسبانية للصحراء، قبل انسحاب مدريد من الإقليم سنة 1975. ورغم أن المبادرة لا تزال في طور المشروع ولم تتحول بعد إلى نص قانوني نافذ، فإن توقيت طرحها يصعب فصله عن سياق دولي متحرك بات لافتاً للانتباه: تصاعد الاعتراف الدولي بمقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس واقعي لحل النزاع، بدءاً بالموقف الأمريكي الحاسم في هذا الاتجاه، مروراً بتوضّح الموقف الفرنسي، ثم التحول الإسباني نفسه منذ مارس 2022 نحو اعتبار هذا المقترح “الأساس الأكثر جدية وواقعية”، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025 الذي كرّس المسار السياسي التفاوضي القائم على التوافق. في خضم هذا المناخ المتحرك، يصعب قراءة المبادرة الإسبانية بمعزل عن سؤال جوهري: هل نحن أمام تسوية إدارية بحتة لوضعيات فردية، أم أمام خطوة تحمل أبعاداً سياسية أعمق مرتبطة بلحظة الصحراء الراهنة؟

هذا السؤال هو ما طرحه بالتحديد المؤرخ المغربي عبد الله بوصوف، في مقال تحليلي أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط المهتمة بالملف. وبوصوف ليس صوتاً عابراً في هذا النقاش؛ فهو أمين عام مجلس الجالية المغربية بالخارج (CCME) منذ تعيينه في هذا المنصب سنة 2007 بقرار ملكي من جلالة الملك محمد السادس، وهو مؤسسة دستورية ذات طابع استشاري، مهمتها رفع تقارير وتوصيات إلى جلالة الملك حول قضايا الهجرة والهوية والاندماج والتعليم المرتبطة بمغاربة العالم. هذه الصفة المؤسساتية تمنح تحليله وزناً إضافياً، إذ لا يتحدث بوصوف كمعلق سياسي عابر، بل كمسؤول معني مباشرة بملفات الهوية والانتماء لدى الجالية المغربية، وهو ما يجعل تناوله لقضية تمس مباشرة سؤال الهوية والسيادة أمراً ذا دلالة خاصة.

في تحليله، لا ينطلق بوصوف من موقف رافض لفكرة تسوية وضعيات صحراويين لهم ارتباط تاريخي بالإدارة الإسبانية، بل يضع المبادرة أمام سلسلة من الأسئلة النقدية التي يراها جديرة بالنقاش العلني. فلماذا تُمنح هذه الجنسية الآن تحديداً، في لحظة تشهد فيها قضية الصحراء تحولات دولية عميقة، وليس في أي وقت آخر خلال العقود الخمسة الماضية؟ ولماذا تقتصر المعالجة على فئة محددة مرتبطة بإقليم بعينه، بينما عاش مغاربة آخرون في مناطق أخرى، كإفني وأجزاء من شمال المغرب، تحت إدارة إسبانية مماثلة دون أن يُطرح لهم يوماً مسار مشابه نحو الجنسية؟ في نظر الكاتب، هذا التفاوت الجغرافي في المعالجة يستحق تفسيراً واضحاً، لا أن يُترك كأمر بديهي لا يستدعي مساءلة.

ويعمّق بوصوف طرحه باستحضار مقارنتين تاريخيتين دالتين. الأولى قانون 2015 الذي منحت بموجبه إسبانيا الجنسية لليهود السفارديم المطرودين منها سنة 1492، والثانية غياب أي مسار مماثل لصالح أحفاد مسلمي الأندلس الذين تعرضوا بدورهم للتنصير القسري ومحاكم التفتيش ثم الطرد النهائي بعد سقوط غرناطة. هذا التفاوت في التعامل مع ذاكرتين تاريخيتين متقاربتين من حيث المأساة، يراه الكاتب “ازدواجية” تستحق النقاش، ويتساءل عن المعيار الذي يحدد أي ذاكرة تاريخية “تستحق” أن تتحول إلى حق قانوني معترف به، وأيها يبقى خارج دائرة الاعتراف. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ يشير بوصوف إلى تناقض قانوني إضافي، فبينما يُقترح مسار خاص وميسّر لفئة بعينها، يجد المغاربة الراغبون في الحصول على الجنسية الإسبانية عبر المسارات العادية أنفسهم أمام شروط دقيقة وصارمة تتعلق بالإقامة واللغة والاندماج ومعرفة النظام القانوني الإسباني.

من هذه المعطيات مجتمعة، يخلص الكاتب إلى أن القضية، في جوهرها، ليست مسألة جواز سفر أو تسهيل إداري، بل رابطة قانونية وسيادية تحمل دلالات تتجاوز الأفراد المستفيدين منها، لتطرح سؤالاً أوسع حول الانتماء والهوية والذاكرة والسيادة، في سياق إقليم لا يزال موضع نزاع دولي قائم. ويختم بوصوف تحليله بطرح السؤال الأكبر الذي يرى أن من حق المغرب أن يطرحه بوضوح: هل تسعى إسبانيا فعلاً إلى تصفية آثار ماضٍ استعماري انتهى منذ نصف قرن، أم أنها تبحث، من خلال إحياء هذا الماضي بصيغة قانونية جديدة، عن إعادة بناء علاقة خاصة مع جزء من التراب المغربي؟

ومن زاوية مغربية، يصعب فصل توقيت هذا المشروع عن السياق الدولي الذي تمر به قضية الصحراء. فالمبادرة لا تُطرح في فراغ، بل تأتي بعد أشهر قليلة من قرار مجلس الأمن الذي كرّس مقترح الحكم الذاتي كأساس تفاوضي، وفي ظل تحول تدريجي في المواقف الدولية لصالح الطرح المغربي، وهو تزامن يفتح الباب أمام قراءة سياسية مشروعة: هل يُراد من هذه الخطوة خلق “ورقة بديلة” تُبقي إسبانيا حاضرة في ملف الصحراء بصفة أخرى، بعد أن تراجع حضورها كطرف مباشر في المسار السياسي الأممي؟ ومن الناحية الإجرائية، يبقى المشروع في مرحلة أولية، إذ لم يُعرض بعد على مسار تشريعي كامل داخل البرلمان الإسباني، ولم تُحدَّد بدقة معايير الاستفادة منه، وهو غموض إجرائي يمنح الأسئلة النقدية التي طرحها بوصوف وزناً إضافياً؛ فحين يكون النص غير مكتمل الملامح، يصبح السؤال عن دوافعه ومآلاته أكثر إلحاحاً من مناقشة تفاصيله التقنية.

وما يستحق التوقف عنده مغربياً، في نهاية المطاف، هو أن معالجة “الذاكرة الاستعمارية” بشكل انتقائي، أي تفعيلها حصراً في الإقليم الأكثر حساسية سياسياً بالنسبة للمغرب دون باقي المناطق التي خضعت للإدارة الإسبانية، يجعل من الصعب فصل البعد الحقوقي عن البعد الجيوسياسي في هذا المشروع. ومن حق المغرب، كدولة ذات سيادة على الصحراء، أن يطالب بالوضوح: إما أن تُبنى أي مقاربة إسبانية للذاكرة الاستعمارية على معايير شاملة ومتسقة تشمل كل من عاشوا تحت إدارتها بلا استثناء، أو أن تُعلن مدريد صراحة الغاية السياسية من مبادرة تمس مباشرة سيادة دولة شريكة تربطها بها علاقات استراتيجية. وبهذا المعنى، يمثل تحليل بوصوف، بصفته مسؤولاً مؤسساتياً معنياً بملف الجالية والهوية، تذكيراً بأن أي نقاش حول “التصحيح التاريخي” لا يمكن أن يكون معزولاً عن الحاضر السياسي، وأن الصمت المغربي إزاء مثل هذه المبادرات لم يعد خياراً ممكناً في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها القضية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.