تأملات في حفل افطار رمضاني بين سجناء سجن طانطان

عبد الرحيم الأطرش27 مارس 2025آخر تحديث :
تأملات في حفل افطار رمضاني بين سجناء سجن طانطان
عبد الرحيم الأطرش

بقلم عبد الخالق حسين: رئيس المجلس العلمي لطانطان

1- للمجلس العلمي تجربة طويلة مع قضايا المحاكم و المسائل المتعلقة بالخطأ و الجريمة اللذان يدخلان تحت طائلة العقوبة القانونية..
فضمن لجان المجلس العلمي هناك لجنة للصلح بين الازواج؛ مجال تدخلها “اصلاح ذات البين” بين الزوجين قبل تدخل القاضي بالبث النهائي في ملف طلب الطلاق..
كما اننا نشارك كمجلس علمي باستمرار في كل اللقاءات التشاورية و الدراسية التي تنظمها مؤسسة النيابة العامة من أجل دراسة او تقييم التدخل القضائي في مجال الاسرة و قضايا الطلاق و آثاره الاجتماعية..
بالإضافة الى تدخل المجلس العلمي في حياة المواطن وهو يقضي مدته الحبسية داخل جدران السجن..
فالمجلس العلمي يشارك اسبوعيا بحصص قارة لتحفيظ القرآن الكريم و الوعظ والارشاد و تعليم الضروري من احكام الدين؛ و الاجابة عن تساؤلات السجناء ..بالاضافة الى تنظيم انشطة ثقافية علمية و ترفيهية لفائدة نزلاء السجن؛ تتنوع بين مسابقات في تجويد القرآن؛ او ليالي مديح وسماع، او تنظيم افطارات، و وجبات عشاء من أجل تحسيس السجناء بالاجواء العائلية المفتقدة..

2- وقد راكم علماء وعالمات المجلس العلمي بطانطان؛ تجربة كبيرة و خبرة عميقة في التعامل مع ” سيكولوجيا السجين” سواء ذكرا او انثى ؛ من خلال الاحتكاك الطويل مع اسئلته و همومه ؛ و اصبح السادة العلماء مدركين لتوقعات (الإنسان الذي ابتلي بالسجن)..

3- غير أنه لابد من التنويه بكفاءة طاقم المؤسسة السجنية بمدينة طانطان؛ الذي يثبت أنه فعلا يحمل فلسفة انسانية راقية في تدبير حياة السجين النفسية و الاجتماعية و المعرفية؛ فبفضل الانفتاح والرؤية التدبيرية التشاركية لهذا الطاقم من الاطر الشابة في إدارة السجن استطاع المجلس العلمي ان يشتغل في جو من الاريحية و الحميمية و القرب..

3- ويعتبر الحفل الذي نظمه المجلس العلمي بالسجن ليلة الاربعاء 27 مارس 2025؛ وقد كانت هذه الليلة الثانية التي تستهدف سجناء الهشاشة و السجناء من دول جنوب الصحراء؛ بعد ان كان الحفل الأول قبل أسبوع يستهدف فئات أخرى؛ حفلا متوجا لكل ” عبقرية المجلس العلمي ” في علاقته بالمؤسسة السجنية..

4- فقد أصر السيد عامل الإقليم مشكورا على المشاركة في هذا الحفل برفقة الوفد الرسمي؛ الى جانب مشاركة جميع اعضاء المجلس العلمي و بعض الاخوات المرشدات و الواعظات؛ الذين واللاتي سهرن لايام وليالي من التخطيط المحكم و التدبير المعقلن على جعل الحفل عرسا حقيقيا ؛تصدق عليه المقولة الدارجة ( عرس ليلة تدبير عام ).. فبالفعل كان التدبير هادئا ودقيقا و يتغيا تحقيق الأهداف الآتية والتي حققها والحمد لله ؛ وهي :
_ جعل السجين يعيش بهجة رمضان
_ جعل السجين يحس بانه محبوب من المجتمع
_ جعل السجين قريبا من السادة العلماء والفقهاء
_ جعل السجين مندمجا في صلاة الجماعة مغربا وعشاء وتراويح؛ بما تبسطه صلاة الجماعة من الروحانية و الاخوة و المساواة
_ جعل السجين ينخرط في أجواء الوعظ و التذكير وسرد قصص الصالحين و الاستمتاع بالقراءات القرآنية
_ جعل السجين قريبا من العلماء الذين “قد يعتقد” خاطئا؛ أنهم يحاكمونه بقاموس الحسنة و السيئة و الطاعة و المعصية و عقوبة الله ؛ فها هم يشاركونه الصلاة و الذكر و موائد الطعام.
_ جعل السجين يحس وهو يشارك السيد عامل الاقليم و السيد وكيل الملك و السيد رئيس المحكمة و السيد قائد الحامية العسكرية و السادة المسؤولين الأمنيين أن “الدولة” تنظر إليه كمخطئ بصيغة الماضي؛ أما اليوم وغدا ؛ فالسجين مشروع “اعادة نظر” و تغيير و اصلاح و توبة و اقلاع و ( ولادة جديدة )..

5- و سوف التقط من الحفل أهم المشاهد التي تبرز تحقق هذه الأهداف :
لقد اثتت ساحة السجن تاثيثا جميلا ؛ بزرابي و موائد و لافتات ومكبرات للصوت و ديكورات؛ تشعر الداخل الى الفضاء انه في قلب حفل عرس ..
اخد السجناء اماكنهم حول الموائد من اجل انتظار اذان المغرب و الشروع في الافطار؛ في ساحة مكشوفة واسعة.. و بمجرد دخول السيد العامل الساحة وقف السجناء يصفقون و يرفعون عبارات الترحيب و السلام: ( مرحبا بالسيد العامل) ورد عليهم السيد العامل بتحية أحسن..دام التصفيق بضع ثواني؛ كانت كافية للتعبير عن حصول التواصل الوجداني و نجاح مرحلة الانتقال من ( نحن السجناء وحدنا) الى ( نحن أهل الدار نستقبل ضيوفنا)..

6- بعد الجلوس رفع احد العلماء أذان المغرب؛ كان الجميع ينصت بخشوع وفي جو يفتقده السجناء عادة ..
واحب ان أذكر طاقم السجن بهذه الملاحظة..
فقد ابلغتني بعض العالمات الناشطات في السجن أن احدى السجينات يوما ؛ قد اسرت اليهن بقولها: ( لقد اشتقت لسماع الأذان).. وهنا احب أن افتح قوسا ملتمسا من الادارة العامة للسجون و معها وزارة الصحة؛ ان يستثمروا صيغة الأذان المغربية؛ و كذا بعض الاصوات المغربية الشجية المرتلة للقرآن؛ و كذا المؤدية للتهليل قبيل الفجر.. ان يستثمروا هذا الخزان الروحي في برامج السجون و المستشفيات..
و قد كنت قرأت ان بعض المستشفيات في اوروبا وامريكا تلجأ الى ( اداء التراتيل الدينية الكنسية) في التخفيف من الألم ؛ و رفع الغم؛ و تحريك العواطف ؛ و المساعدة على تجاوز الصدمات التي يعاني منها النزلاء..

7- قلت رفع الاذان وشرع الجميع في ( تكسير الصيام)..
بعد دقائق انتقلنا الى الزرابي المبثوثة بالقرب منا ؛و صلينا صلاة المغرب جماعة ؛ نعم كنا جماعة واحدة اندمج فيه السيد العامل بالعلماء، باطر السجن، بالسجناء، في صفوف لا تعرف التمييز و التراتبية ؛ الكتف يحادي الكتف و القدم صف ملاصقا للقدم؛ قرأ الإمام قوله سبحانه:( إنما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم و اتقوا الله لعلكم تفلحون)..
آية واحدة كانت كافية لتعيد ترتيب المفاهيم و المفردات النفسية للسجين و تنادي في اعماقه: (إنك مؤمن بين إخوتك المؤمنين..اعد النظر في حياتك؛ ما الذي جاء بك الى هنا؛
وحرمك من الصلاة في المسجد مع إخوتك..!!)
بعد الصلاة رجعنا الى مجالسنا؛ و مع كؤوس الشاي؛ افتتح برنامج الحفل بتلاوة ايات من الذكر الحكيم تلاها عضو المجلس الفقيه المتقن حسن ادبكريم كانت قراءة مؤثرة بحق..ثم القى السيد مدير السجن كلمة ترحيبية و ذكر بالغاية من الحفل..

8- واعطيت الكلمة لفضيلة رئيس المجلس العلمي لطانطان ذ.عبد الخالق حسين؛ كان موضوع الكلمة هو : (أيها السجين اعرف نفسك..غير نفسك..)..
ركز الرئيس على خطاب التحفيز و رفع الهمة و بناء الثقة في الذات وفي التغيير.. ومما قال: ( أيها الاخوة هذا الحفل شارك في تمويله اخوتكم المحسنون؛ قلنا لهم سننظم فطورا و عشاءا للسجناء.. فتسابق المحسنون في تمويله وانجاحه؛ اتعرفون لماذا؟؟..
الجواب : ” لان الناس يحبونكم و يتعاطفون معكم..يجب ان تقدروا هذا الحب؛ ينبغي ان تقدروا أن هذا المجتمع و هذه الدولة التي تحبكم و تتعاطف معكم؛ تنتظر منكم المعاملة بالمثل؛ تنتظر منكم أن تغيروا انفسكم.. و تخرجوا من هنا عازمين على المساهمة في العمل و الاصلاح و المحبة و الاخوة..”..
لقد استعان فضيلة الرئيس بباقات من القصص و الحكم و الامثلة الواقعية ؛من أجل وضع السجين “أمام نفسه” و امام مسؤوليته .. بل و امام اختياراته الوجودية: (( لقد تركت اخي الفاضل أمك مريضة؛ تعاني المرض و تعاني من فراقك.. استيقظ وفقك الله من غفلتك ؛ احسن الى امك وابيك؛ قرر ان تصلح اخلاقك.. و تقطع مع عاداتك التي ادخلتك الى السجن ورفقائك الذين زينوا لك هذه الطريق ..قرر ان تتفوق في دراسك ؛ وان تحصل على ديبلوم حرفي وصناعي؛ وها هو السيد العامل يده ممدودة لكم جميعا؛ سوف يساعدك على الحصول على تمويل لمشروعك من صندوق التنمية البشرية.. هيا قرر تغيير نفسك .. و نحن كلنا معك..توكل على الله ؛ ادع الله..فان الفرج بيد الله..”ومن يتق الله يجعل له مخرجا”..))
تفاعل السجناء بشدة مع الكلمات التحفيزية للرئيس.. وصفقوا لها طويلا.. وسمعت هتافات تعبر عن الثأتر بمضمونها..

9- وانتقلنا الى فقرة ( فن السجين)؛ تقدم شاب من السجناء والقى قصيدة من نظمه؛ قصيدة جميلة و مؤثرة تكشف عن الصلاح و الصفاء الذي يختزنه السجين و الذي تغطيه و تحجبه الظروف الجتماعية و الاقتصادية و سلطة الاصدقاء و رفقاء السوء..
واستمتعنا بوصلة من المديح الحساني من اداء فرقة غنائية تكونت في السجن؛ كانت كلمات ساحرة في مدح سيدنا رسول الله مع ضربات موزونة على الطبل؛ كأنها صدى جبال شامخات في الصحراء..كان السجناء كلما ختمت فقرة يصفقون بقوة ولكن بصدق؛ تحس كأنهم يقولون: ” نريد المزيد” ..لا ننسى أن أسوء ما في السجن هو (الرتابة).. وجوهر الحرية هو ( الخروج من الرتابة).. وأكبر عقوبة يمكن أن يعاقب بها الإنسان هي أن تفرض عليه (الرتابة) وكلنا قد عشنا هذا الإحساس الأليم و المزعج في ظروف كورونا؛ عندما كرهنا بيوتنا و أشياءنا بسبب ( الرتابة) و المنع من السير في الارض و النظر في خلق الله..

10- من بين السجناء توجد سجينتين فقط؛ اختارت السيدات العالمات ان يقدمن لهما مجموعة من الهدايا ؛عبارة عن البسة للعيد و بعض المستلزمات الخاصة بالنساء..
فلا يفوتني أن أشكر بكل عبارات الشكر الموجودة في القاموس السيدات عضوات المجلس العلمي و الاخوات المرشدات و الاخوات الواعظات؛ اللاتي ابين الا ان يشاركن في الطبخ واعداد الوجبات بأنفسهن؛ وهن يؤكدن على انهن يردن ادخال السرور على السجناء و السجينات..

11- وأنا بين أسوار السجن؛ وهذه شهادة رجل ينتمي لمشيخة العلماء..
كنت أدعو الله أن يديم على مملكتنا نعمة إمارة المؤمنين؛ التي كما تقوم على شؤون الناس في شق المعاش و الدنيا؛ تقوم كذلك على نشر قيم الفطرة و الأخوة و خفظ الجناح و الرحمة و العفو و المغفرة و جبر الخواطر..
إننا من داخل السجن؛ أعلن لكم شهادة حق؛ أن مملكتنا الشريفة بألف خير ؛ مادام قرآن الله يتلى بيننا؛ وحبة سيدنا رسول الله تجمعنا؛ و مادام السجين يقف في صف الصلاة مع عامل الإقليم في صلاة التراويح ..

11- ختمت فقرات الحفل بقراءة جماعية من السادة العلماء..و وضعت اطباق العشاء؛ وختم الحفل بالدعاء لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس اعزه الله..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل