المحكمة الدستورية تُسقط 5 مقتضيات من قانون إعادة تنظيم “المجلس الوطني للصحافة”

هئية التحرير24 يناير 2026آخر تحديث :
المحكمة الدستورية تُسقط 5 مقتضيات من قانون إعادة تنظيم “المجلس الوطني للصحافة”

حسمت المحكمة الدستورية بالمغرب الجدل القانوني والسياسي الذي رافق مشروع القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعدما قضت، في وقت متأخر من مساء الخميس 22 يناير 2026، بعدم دستورية عدد من مواده الأساسية، مقابل التصريح بمطابقة مواد أخرى للدستور.

وجاء هذا القرار عقب إحالة تقدمت بها فرق المعارضة بمجلس النواب بتاريخ 7 يناير 2026، طعنًا في دستورية المشروع بدعوى مساسه بجوهر التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة، وإخلاله بمبادئ التعددية والتوازن في التمثيلية داخل المجلس الوطني للصحافة، بما يخالف مقتضيات الفصل 28 من الدستور[1].

الطعن الذي وقعه 96 نائبًا من المعارضة استهدف مواد محورية من المشروع، من بينها المواد 5 و9 و10 و13 و23 و44 و45 و55 و93، مع استحضار مقتضيات دستورية أساسية، خاصة الفصول 6 و28 و118 و120، المرتبطة بمبدأ المساواة، والتنظيم الذاتي للصحافة، وضمانات المحاكمة العادلة، والفصل بين السلط.

اختلال التوازن في التمثيلية بين الصحافيين والناشرين داخل المجلس
من أبرز ما سجلته المحكمة الدستورية، ما ورد في المادة الخامسة بشأن تركيبة المجلس الوطني للصحافة. فقد اعتبرت أن منح فئة النّاشرين تسعة مقاعد، مقابل سبعة فقط للصحافيين المهنيين المنتخبين، من دون مبرر موضوعي، يشكل إخلالًا واضحًا بمبدأ التوازن والتساوي في التمثيلية بين الفئتين. وأكدت أن هذا التفاوت يتعارض مع الأسس الديمقراطية لتنظيم قطاع الصحافة، كما هي مستخلصة من الفقرة الثالثة من الفصل 28 من الدستور.

وفي السياق ذاته، انتقدت المحكمة حصر الإشراف على إعداد التقرير السنوي للمجلس في عضوين من فئة النّاشرين المصنّفين ضمن “الحكماء”، معتبرة أن هذا الإقصاء لممثلي الصحافيين يخلّ بمبدأ التوازن، خاصّة وأن التقرير السنوي يفترض أن يعكس واقع حريّة الصحافة وأخلاقيّات المهنة وظروف اشتغال الصحافيين.

التأكيد على التعدديّة في مواجهة الاحتكار
توقفت المحكمة عند المادة 49 من المشروع، التي 49 تنص على أنه: “تفوز المنظمة المهنية التي حصلت على أكبر عدد من الحصص التمثيلية بجميع المقاعد المخصّصة لفئة الناشرين بالمجلس.

في حالة تعادل الحصص التمثيلية بين منظمتين مهنيتين أو أكثر تفوز المنظمة المهنية التي تشغل أكبر عدد من المستخدمين العاملين في قطاع الصحافة والنشر، بجميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين.”

وقد اعتبرت المحكمة أن تخويل المشروع للمنظمة المهنية الأكثر تمثيلية في فئة الناشرين الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لهذه الفئة داخل المجلس. يتعارض صراحة مع مبدأ التعددية المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، لما يفضي إليه من احتكار التمثيل المهني وإقصاء باقي التنظيمات، في تناقض صارخ مع القواعد الديمقراطية.

المسطرة التأديبية بين الحياد وضمانات المحاكمة العادلة
وفيما يتعلق بالمادة 93، التي تنص على اعتماد رئيس لجنة الأخلاقيات ضمن أعضاء لجنة الاستئناف التأديبية، سجّلت المحكمة الدستورية أنّ ذلك يشكّل مساسًا خطيرًا بضمانات المحاكمة العادلة، لكونه يؤدي الى الجمع بين صفتي “الخصم” و”الحكم” بما يخلّ بمبدأي الحياد والاستقلال، المستمدين من الفصول 23 و118 و120 من الدستور، ويقوض الثقة في عدالة المساطر التأديبية داخل المجلس.

وأضافت المحكمة أن الجهة التي تبتّ في الطعن ضدّ القرارات التأديبيّة الصادرة عن المجلس سواء كانت قضائية أو إدارية، “يجب أن تكون مجرّدة من كل موقف مسبق، وألا يشارك في مداولاتها واتخاذ القرار الصادر عنها، من سبق له الحضور من أجل المساهمة في اتخاذ القرار المطعون فيه أو إبداء رأيه في الموضوع”.

مقاربة النوع الاجتماعي: وجاهة المبدأ وإشكال التنزيل
أثارت المحكمة، تلقائيًا، مسألة الفقرة الأولى من المادة 57، التي تنص على ما يلي:

“تنتخب الجمعيّة العامة رئيسا للمجلس ونائبا للرئيس من بين أعضاء المجلس، على أن يراعى في شغل المنصبين تمثيل كل من فئة الصحافيين المهنيين وفئة الناشرين، وألا يكون الرئيس ونائبه من نفس الجنس”.

ورغم إقرارها بمشروعية هذا التوجه من حيث الغاية في إعمال مبدأ السعي نحو المناصفة، أكّدت المحكمة أنّ دورها الرقابي لا يقتصر على فحص مضمون المقتضيات، بل يمتدّ إلى التحقّق من مدى انسجام مواد القانون الواحد وضمان قابليّتها للتطبيق من دون تعارض أو تناقض.

وفي هذا الإطار، اعتبرت المحكمة أن المشرّع، وهو يسعى إلى تحقيق هدف عدم الجمع بين المنصبين من طرف نفس الجنس، لا يجوز له الاكتفاء بفرض نتيجة انتخابيّة محدّدة، من دون توفير الشروط القانونية والتنظيمية الكفيلة بضمان تحقّقها عمليا. إذ تبين لها أن الفقرة الأولى من المادة 57 تفرض التزاما صريحا باختلاف جنس الرئيس ونائبه، في حين أن المادة الخامسة، ولاسيما البند المتعلق بتركيبة فئة ممثلي الناشرين، لا تتضمن أي مقتضى يضمن تمثيل الجنسين داخل هذه الفئة.

وأبرزت المحكمة أنّ هذا الخلل التشريعي من شأنه أن يرتب إلزاما قانونيا قد يستحيل تنفيذه في الواقع، ويقيّد حرية أعضاء المجلس، بصفتهم ناخبين، في اختيار الرئيس ونائبه، من دون أن يستند هذا التقييد إلى تنظيم قانونيّ مسبق وشامل يضمن ممارسة فعليّة لحقّ الترشّح والانتخاب. وخلصتْ إلى أن “فرض نتيجة انتخابية معينة، في غياب ضوابط قانونية تتيح تحقيقها، يشكّل إخلالًا بمبدأ الانسجام والتناسق الواجب توافره بين مختلف مقتضيات القانون الواحد”. مؤكّدة أنّ تفعيل مقاربة النوع الاجتماعيّ داخل مؤسّسات التنظيم الذاتيّ للصّحافة “يقتضي تشريعا متكاملا وواضحا، لا مجرد التزامات معزولة تفتقر إلى الآليات الإجرائية والضمانات القانونية اللازمة لإنفاذها”. وهو ما جعلها تعتبر هذا المقتضى غير دستوري.

من جهة أخرى، صرحت المحكمة بدستورية عدد من المواد الأخرى المطعون فيها، من بينها المواد 9 و10 و13 و23 و44 و45 و55 من المشروع. واعتبرت في هذا السياق أن “تحديد الأفعال المفضية إلى العزل من عضوية المجلس يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرع، متى استند إلى معايير موضوعية مرتبطة بالنزاهة والثقة العامة”. كما أكدت أن “ضمانات الاطلاع على الملفات وحق الدفاع لا تمس بجوهر المحاكمة العادلة”، وأن “إبداء المجلس رأيه في مشاريع القوانين المرتبطة بالقطاع لا يشكل إخلالًا بمبدأ فصل السلط”.

فراغ مؤسساتي وأسئلة مفتوحة حول مآل التنظيم الذاتي
أعاد قرار المحكمة الدستورية، الذي كرّس سمو الدستور وحمى مبدأ التعدديّة واستقلالية التنظيم الذاتي، طرح إشكالية مآل المجلس الوطني للصحافة في ظل انتهاء ولاية اللجنة المؤقتة التي كانت تدبر شؤونه بصفة استثنائية[2]. فقد أفضى القرار عمليًا إلى تجميد مسار إعادة إرساء الإطار القانوني للمجلس، وفتح الباب أمام فراغ مؤسساتي مقلق، زاد من حدته الجدل الذي أثير حول فضيحة تسريبات لجنة الأخلاقيات داخل الهيئة المؤقتة.

وفي هذا السياق، حمّلت المنظمات النقابية والمهنية الحكومة مسؤولية الوضع الراهن، معتبرة أن اللجنة المؤقتة فقدت منذ أكتوبر الماضي أي سند قانوني أو شرعي، ورافضة بالمطلق أي صيغة “خارج مؤسسات الدولة” لتدبير شؤون القطاع. كما حذرت من مخاطر الانزلاق نحو الاحتكار والريع والتحكم، داعية إلى إطلاق حوار جدي ومسؤول مع الممثلين الحقيقيين للمهنيين، قصد بلورة توافق وطني يضمن استقلالية الصحافة، ويعزز مهنيتها وأخلاقياتها، في انسجام تام مع الدستور وروحه.

[1] ينص الفصل 28 من الدستور المغربي، على ما يلي:

” حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية.

للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة.

تشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به”.

[2] انتهت في بداية أكتوبر 2025 فترة انتداب اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، التي أحدثتها الحكومة بموجب قانون رقم 15.24، دون أن يتم تجديد تركيبة مؤسسة التنظيم الذاتي، ويأتي هذا الفراغ بعد انتهاء الولاية القانونية للمجلس الوطني للصحافة سنة 2022، وتم تمديدها ستة أشهر لإجراء انتخابات تجديد الهياكل، قبل تشكيل اللجنة المؤقتة

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل