طانطان.. بمساحة 16 كيلومترًا مربعًا.. المغرب يمنح أول رخصة لاستغلال رمال التيتانيوم الساحلية

هئية التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
طانطان.. بمساحة 16 كيلومترًا مربعًا.. المغرب يمنح أول رخصة لاستغلال رمال التيتانيوم الساحلية

يشهد الشريط الساحلي الممتد بين طانطان وطرفاية، في جهة كلميم-واد نون، تحولاً لافتاً قد يُعيد رسم خريطة الاستثمار المعدني في جنوب المملكة، بعدما منحت السلطات المغربية المختصة رخصة الاستغلال المنجمي لمشروع “TitanBeach Titanium Beach One” لصالح شركة “NSM Capital”، الفرع المغربي للشركة الكندية “Steadright Critical Minerals”، التي تمتلك فيها حصة بنسبة 76.5%.
رخصة تاريخية على امتداد 16 كيلومترًا مربعًا
منحت السلطات المغربية، بتاريخ 12 أغسطس 2026، رخصة الاستغلال على مساحة تناهز 16 كيلومترًا مربعًا (بمعدل 4 كيلومترات في 4 كيلومترات)، ضمن رقعة استكشاف أوسع تمتد على 192 كيلومترًا مربعًا. وتُعد هذه الرخصة، بحسب “Steadright”، الأولى من نوعها التي تُمنح في المغرب لاستغلال رواسب الرمال الغنية بالمعادن الثقيلة في المنطقة الساحلية الأطلسية، ما يمنح جهة كلميم-واد نون موقعًا ريادياً في خارطة الاستثمار المنجمي الوطني. أما التصريح البيئي، وهو الشرط الأساسي لانطلاق الاستغلال الفعلي، فقد تجاوز مرحلة البحث العمومي وبات توقيعه النهائي وشيكًا.
وفي بيان صادر عنها، اعتبرت “Steadright” أن منح هذا الترخيص “يمثل محطة تاريخية لشركة NSM Capital وتقدمًا مهمًا للقطاع المنجمي المغربي، كما يضع اللبنات الأساسية للمرحلة القادمة من تطوير مشروع منجمي كبير، ويتيح على المدى الطويل فرصًا جوهرية للاستثمار والتطوير الصناعي وخلق قيمة مستدامة في المغرب”. من جهته، صرّح الرئيس التنفيذي للشركة، مات لويس، بأن هذا الترخيص “يُعد سابقة في المغرب نظرًا لاتساع المساحة المشمولة به”، معربًا عن امتنانه لوالي جهة كلميم ورئيس المجلس الجماعي على “دعمهم الثمين وتعاونهم ومساعدتهم طوال هذه العملية”، في إشارة إلى الدور المحوري الذي لعبته السلطات المحلية والإقليمية في تيسير مسار المشروع.
يكشف هيكل المشروع عن معمارية استثمارية متعددة المستويات: تمتلك “Steadright Critical Minerals” نسبة 76.5% من رأسمال فرعها المغربي “NSM Capital”، مع احتفاظها بخيار رفع هذه الحصة إلى 80%. وتمتلك “NSM Capital” بدورها حصة محملة بالكامل (carried interest) بنسبة 32% في شركة “Shan Tang Mining”، وهي الكيان المشترك الذي نُقلت إليه جميع السندات المنجمية الخاصة بمشروع “TitanBeach”. وتعني صفة “الحصة المحملة” أن الشركة المغربية غير ملزمة بتغطية أي تكاليف مرتبطة بمشاركتها، وقد تم التفاوض على هذه الحصة مع شركة “Homme Construction”، وهي شركة خاضعة للقانون المغربي، في إطار تأسيس “Shan Tang Mining”.

في خطوة تعكس اهتمام الدولة بهذا النوع من المشاريع، وقّعت “Shan Tang Mining” بتاريخ 10 يوليوز 2026 اتفاق إطار للتعاون مع مجموعة عمومية للهندسة والبناء. ويغطي هذا الاتفاق التخطيط والتصميم وإنجاز البنيات التحتية، إضافة إلى استغلال وصيانة الموقع الصناعي المستقبلي، حيث يوفر الشريك العمومي طاقة صناعية متكاملة وتكنولوجيا منجمية وأنظمة تشغيل مجرَّبة سلفًا. غير أن نطاق هذا الاتفاق يقتصر، في المرحلة الراهنة، على تشغيل مصنع تجريبي، فيما يبقى تطوير استراتيجية منجمية أوسع رهينًا بنتائج هذه المرحلة الأولى.
لماذا يتحول التيتانيوم إلى معدن استراتيجي؟
يندرج هذا الاهتمام المتصاعد بمشروع “TitanBeach” ضمن سياق دولي أوسع، إذ صنّفت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التيتانيوم ضمن المعادن الحرجة، نظرًا لخفته ومقاومته الميكانيكية ومقاومته الاستثنائية للتآكل، وهي خصائص تجعله مادة أساسية في صناعات الطيران والدفاع والهندسة المتقدمة. فالطائرة المقاتلة من طراز “F-16” تحتوي على نحو 9 أطنان من التيتانيوم، بينما تستخدم طائرة “F-35” ما يقارب 25 طنًا، فضلاً عن استخدامه في بعض سبائك الدروع العسكرية التي تُخفف وزن المركبات دون التفريط في قوة مقاومتها.
آفاق الاستغلال: من 180 ألف إلى 360 ألف طن سنويًا
تستهدف عمليات الاستخراج في “TitanBeach” الرمال السوداء الغنية بالمعادن الثقيلة، حيث أظهرت التحليلات نسب تركيز مرتفعة تصل إلى 79.5% من أكسيد الحديد و14.9% من ثنائي أكسيد التيتانيوم. ووفق بيانات التقييم الأولي الصادرة سنة 2025، يُتوقع أن ينطلق المصنع بقدرة إنتاجية أولية تبلغ 180 ألف طن من الخام سنويًا، مع تصميم يتيح مستقبلاً مضاعفة هذه الطاقة لتصل إلى 360 ألف طن في السنة. وأفادت الشركة المنجمية بأنها تعمل حاليًا بفاعلية على جمع معلومات إضافية ستتم مشاركتها مع المساهمين مع تقدم مراحل المشروع.
إقليم طانطان في قلب رهان المعادن الاستراتيجية
يحمل مشروع “TitanBeach” دلالات تتجاوز البعد التقني والمالي المحض. فمنح أول رخصة من نوعها في المغرب لاستغلال رواسب الرمال الساحلية الغنية بالمعادن الثقيلة لصالح موقع يقع بين طانطان وطرفاية، يضع إقليم طانطان وجهة كلميم-واد نون على خارطة الاستثمار المنجمي الاستراتيجي على المستويين الوطني والدولي، في وقت تتزايد فيه الحاجة العالمية إلى معادن مصنّفة “حرجة” كالتيتانيوم، الذي تتنافس عليه القوى الصناعية الكبرى بفعل استخداماته في قطاعي الطيران والدفاع.
ويبقى السؤال الجوهري الذي سيحدد مستقبل المشروع مرتبطًا بنتائج المرحلة التجريبية للمصنع، والتي ستحسم مسار الاستراتيجية المنجمية الأوسع، وما قد تحمله من انعكاسات مباشرة على التشغيل والاستثمار المحلي، في إقليم كان إلى وقت قريب بعيدًا عن دائرة الأضواء الاقتصادية الكبرى، ويجد نفسه اليوم في صلب رهان دولي على معادن المستقبل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.