جثث بلا أسماء: حين تتحول مأساة الهجرة إلى اختبار للمسؤولية المؤسساتية
فيما تستعد سلطات سبتة المحتلة لمباشرة دفن 82 جثماناً لضحايا محاولة الهجرة الجماعية التي وقعت في 28 يوليوز الماضي، يكشف تفصيل صغير في هذا الملف عن أزمة أعمق بكثير من مأساة الغرق ذاتها: فمن بين 82 ضحية، لم يُتعرَّف حتى الآن سوى على هوية ستة أشخاص فقط. هذا الرقم، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد معطى تقني يخص الطب الشرعي، هو في الحقيقة مرآة لفشل مؤسساتي مزدوج يستحق تحليلاً مغايراً لما اعتادت عليه التغطيات الإخبارية التقليدية لهذا النوع من الأحداث.
عادة ما تتمحور التغطية الإعلامية لكوارث الهجرة حول لحظة الحادث: عدد الضحايا، ظروف الغرق أو الوفاة، واستجابة فرق الإنقاذ. لكن ما يحدث بعد الحادث، أي مسار التعرف على الهوية، غالباً ما يُختزل في تفاصيل تقنية هامشية. والحال أن هذا المسار هو بالضبط حيث تتكشف طبيعة العلاقة بين الدول المعنية بملف الهجرة، ومدى جديتها في التعامل مع كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم.
فحين تكشف صحيفة “ذا أوبجيكتيف” الإسبانية أن المغرب لم يستجب لطلب وزارة الداخلية الإسبانية بخصوص مطابقة عينات الضحايا، فإن ما يُطرح ليس مجرد تعثر إداري عابر، بل سؤال أعمق حول مكانة هذا الملف ضمن أولويات التعاون الأمني والقنصلي بين الجانبين. فبينما تتسارع آليات التنسيق الأمني بين الرباط ومدريد حين يتعلق الأمر بضبط الحدود ومنع عبور المهاجرين، يبدو أن نفس الدرجة من الاستعجال تغيب حين يتعلق الأمر بإعادة الاسم والكرامة لجثث عالقة بلا هوية.
يحمل غياب الهوية بعداً إنسانياً يتجاوز الإحصاء الرقمي: فكل جثمان بلا اسم يعني عائلة كاملة عالقة في حالة انتظار مفتوحة، لا تملك حق الحداد الكامل، ولا القدرة على إغلاق ملف غياب أحد أبنائها. والمفارقة أن هذا الانتظار، الذي قد يمتد لأشهر أو سنوات كما تكشف تجارب سابقة مع مآسي مماثلة في مضيق جبل طارق والمتوسط، هو نتاج مباشر لغياب منظومة مغربية-إسبانية دائمة ومؤسساتية لتبادل قواعد بيانات الحمض النووي والبصمات، تُفعَّل تلقائياً عند وقوع كل كارثة، بدل الاعتماد على طلبات ظرفية قد تصطدم بالبطء الإداري أو غياب الإرادة الحقيقية.
من الإنصاف الإشارة إلى أن المسؤولية هنا لا تقع على طرف واحد: فبقدر ما يُسجَّل تأخر مغربي في الاستجابة لطلبات المعلومات، فإن غياب اتفاقية إطار واضحة ودائمة بين البلدين لتبادل المعطيات البيومترية في حالات الكوارث الإنسانية الحدودية يظل مسؤولية مشتركة. فالهجرة غير النظامية عبر مضيق جبل طارق ليست ظاهرة طارئة أو استثنائية، بل واقع متكرر منذ عقود، ما كان يفترض أن يدفع الجانبين إلى بناء آلية تقنية ومؤسساتية جاهزة ومُختبرة، لا الارتجال في كل مرة تقع فيها مأساة جديدة.
وإذا كانت مسطرة التعرف على الهوية، كما تصفها مصادر الحرس المدني الإسباني، تستدعي تحقيقاً فردياً دقيقاً لكل حالة، يشمل مقابلة العائلات وتوثيق العلامات الجسدية والاختبار الجيني، فإن هذا التعقيد الإجرائي بحد ذاته يعكس غياب استعداد مسبق للتعامل مع كوارث جماعية باتت، للأسف، متكررة على هذا المسار الهجري. فالسؤال الذي ينبغي أن يتجاوز حدث سبتة الأخير هو: هل تتوفر السلطات المعنية، مغربية وإسبانية، على بروتوكول استباقي جاهز للتفعيل الفوري عند وقوع كوارث مماثلة، أم أن كل حادثة جديدة تُدار بمنطق الاستجابة الآنية المرتجلة؟
في نهاية المطاف، تكشف قصة الـ82 جثماناً أن مأساة الهجرة غير النظامية لا تنتهي بلحظة الوفاة، بل تمتد إلى ما بعدها، في مسار بيروقراطي طويل قد يحرم عائلات كاملة من حقها الأساسي في معرفة مصير أبنائها ودفنهم بكرامة باسمهم الحقيقي. وبقدر ما تحتاج سياسات مكافحة الهجرة غير النظامية إلى مقاربات أمنية، فإنها تحتاج بالقدر نفسه إلى آليات إنسانية ومؤسساتية دائمة تضمن ألا يتحول غياب الاسم إلى عقاب إضافي يُضاف إلى مأساة الفقدان.
















