كشف تحقيق نشرته صحيفة “الصنداي تايمز” البريطانية عن الدور المتنامي لمنصات التواصل الاجتماعي في تحويل فكرة الهجرة من رغبة مجردة لدى بعض الشباب المغربي إلى مشروع قابل للتنفيذ، من خلال محتويات تحدد نقطة الانطلاق والمسار، وصورا تُستعمل كدليل على وصول آخرين بالفعل. وهو، بحسب التحقيق، ما وقع بالضبط مع الشاب علاء الدين وشقيقه.
عودة الأغلبية.. وبقاء أقلية في وضع مفتوح
قدّرت الصحيفة عدد الأشخاص الذين توجهوا نحو سبتة خلال موجة نهاية يوليوز بنحو 70 ألف شخص، مشيرة إلى أن غالبيتهم عادوا بعد أيام قضوها في ظروف صعبة داخل المدينة. وعاينت الصحيفة، خلال الأسبوع الماضي بمدينة الفنيدق، وصول عشرات الحافلات المخصصة لإعادة العائدين إلى مناطقهم الأصلية، في مؤشر على تراجع تدريجي لحجم الأزمة من تدفق عشرات الآلاف إلى ملف عدد محدود ممن اختاروا البقاء، وبينهم علاء الدين وشقيقه.
ويوضح التحقيق أن قرار البقاء لدى هؤلاء لا يمنحهم، بمجرد وجودهم في سبتة، أي طريق تلقائي نحو إسبانيا القارية أو نحو عمل وإقامة قانونيين، ما يُبقيهم في وضع مؤقت ومفتوح على احتمالات متعددة. ويرتكز قرارهم بعدم العودة، بحسب الحالات التي يعرضها التحقيق، أساسا على تقييمهم لما ينتظرهم في حال رجوعهم إلى المغرب، أكثر من ارتكازه على يقين بما قد ينتظرهم في أوروبا.
ورغم انحسار الموجة الأولى، يشير التحقيق إلى استمرار تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تعلن عن موعد جديد لمحاولة جماعية أخرى يوم السبت 15 غشت، وهو ما يثير مخاوف من تكرار المشهد ذاته. وتلفت الصحيفة إلى أن هذه الدعوات تتداول رغم حصيلة بشرية مرتفعة للموجة الأولى، تتجاوز 140 حالة وفاة.
أفادت المعطيات المستقاة من التحقيق بأن عام 2026 سجل، حتى 29 يوليوز، ما مجموعه 3835 حالة عبور حدودي، بارتفاع بلغ 160 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية، وهو أعلى مستوى تُسجله السلسلة الإحصائية المعتمدة منذ سنة 2017. وتعزو الصحيفة القفزة الكبرى إلى انتقال شبكات التواصل الاجتماعي من نشر أخبار عامة حول الهجرة إلى تداول محتوى تفصيلي يشرح كيفية الوصول والعبور.
يستند التحقيق إلى بحث أنجزه سيباستيان فاندرميرش، الباحث في منصة التحقيقات مفتوحة المصدر “Bellingcat”، والذي رصد ظهور مجموعات ومنشورات على فيسبوك مرتبطة بالعبور غير النظامي نحو سبتة، قبل أن يُحذف عدد منها لاحقا، إلى جانب ارتفاع لافت في تداول مصطلحي “الفنيدق سبتة” و”الحراكة” على الإنترنت. ومن أبرز الأمثلة التي أوردها التحقيق، مقطع فيديو نُشر على إنستغرام يوم 28 يوليوز وشوهد أكثر من 1.4 مليون مرة، يظهر فيه شاب مغربي يحمل عصا تصوير بينما تعرض الشاشة مسارا مرسوما على تطبيق خرائط غوغل ينطلق من الفنيدق باتجاه سبتة.
تزامن اختيار بعض المهاجرين البقاء في سبتة مع تحول الأزمة إلى ملف أوروبي أوسع نطاقا؛ إذ تشير الصحيفة إلى إجراءات فرضتها إيطاليا لمراقبة القادمين من إسبانيا، قابلتها مدريد بإجراءات مماثلة تجاه الرحلات القادمة من إيطاليا، وسط مخاوف تعبر عنها روما من موجة هجرة جديدة. غير أن هذه التطورات الأوروبية، بحسب التحقيق، تبقى مجرد خلفية لقصة الأشخاص الذين ما زالوا عالقين في سبتة، إذ إن اتساع الخلاف بين الدول الأوروبية لا يغير من واقع أن البقاء في المدينة لا يعني، في حد ذاته، أي مسار قانوني مضمون نحو أوروبا.
















