طانطان.. حين يرتفع منحنى الصيد ويبقى السؤال معلقا: من يستفيد فعلا؟
كشفت أحدث إحصائيات المكتب الوطني للصيد البحري، برسم متم غشت 2026، عن انتعاش نسبي لنشاط الصيد الساحلي والتقليدي على الصعيد الوطني، وسط أرقام تضع ميناء طانطان في قلب هذه الدينامية، بفضل الأداء اللافت لمفرغات الأسماك السطحية، وفي مقدمتها السردين.
من بين المعطيات البارزة، سجل ميناء طانطان ارتفاعا في الكميات المفرغة بنسبة 59%، ضمن مجموعة موانئ جنوبية (العيون +52%، سيدي إفني +71%، طرفاية +57%) شكلت المحرك الأساسي لنمو الأسماك السطحية وطنيا، في مقابل تراجع حاد سجلته موانئ كانت تاريخيا في الصدارة كأكادير (-61%) والداخلة (-69%).
هذا التحول الجغرافي في خريطة الإنتاج يضع جهة كلميم واد نون، وطانطان تحديدا، في موقع متقدم ضمن استراتيجية الصيد الوطنية، بعدما ظلت لسنوات في الظل مقارنة بأقطاب تقليدية أخرى.
لكن خلف الأرقام الإيجابية، يبقى السؤال المركزي مطروحا بإلحاح: هل يترجم هذا الانتعاش الإحصائي إلى تحسن ملموس في ظروف عيش ساكنة طانطان، الإقليم الذي لا يزال يصارع هشاشة اجتماعية ومعدلات بطالة مرتفعة، خصوصا في صفوف الشباب؟
الجواب يستدعي تفكيك مداخل الأثر الفعلي لهذه الدينامية:
1. هيكلة الاقتصاد المحلي حول قطاع الصيد
ارتفاع الكميات المفرغة بميناء طانطان يفترض، منطقيا، انعكاسا مباشرا على سلسلة القيمة المحلية: التخزين، التثمين، التصبير، النقل، والتسويق. لكن هذا الأثر يبقى رهينا بمدى قدرة الفاعلين المحليين على استثمار هذه المادة الأولية محليا، بدل الاكتفاء بتصديرها خاما نحو وحدات تثمين خارج الإقليم – وهو إشكال بنيوي يحد تاريخيا من الأثر التنموي للصيد بالمناطق الجنوبية.
2. ولوج الشباب لمهن البحر.. فرصة مشروطة بالتكوين
الانتعاش الحالي يفتح نظريا فرصا لتشغيل الشباب في مهن مرتبطة بالبحر: الصيد المباشر، الصناعة التحويلية، الصيانة البحرية، والتسويق. غير أن استثمار هذه الفرصة يبقى مرهونا بوجود عرض تكويني مهني متخصص ومندمج محليا، يواكب حاجيات القطاع الفعلية، بدل الاكتفاء بتكوينات عامة لا تستجيب لخصوصيات الصيد الساحلي بطانطان.
3. غياب استراتيجية إدماج محلية واضحة
دون مقاربة تشاركية تربط بين الفاعل المؤسساتي (المكتب الوطني للصيد البحري، عمالة الإقليم) والمهنيين والمجتمع المدني، يبقى خطر تحول طانطان إلى مجرد “نقطة تفريغ” إحصائية قائما، دون أن تتحول هذه الأرقام إلى مشاريع تشغيل حقيقية ومستدامة لساكنة تعاني أصلا من ضعف فرص الشغل خارج القطاعات التقليدية.
الأرقام تمنح طانطان موقعا متقدما في خريطة الصيد الوطنية، لكنها تبقى، في غياب استراتيجية تكوين وتثمين محلية واضحة، أرقاما معلقة في الهواء، بعيدة عن جيوب الشباب العاطل وواقع الهشاشة الذي يعيشه الإقليم. والتحدي الحقيقي اليوم ليس في رفع الكميات المفرغة، بل في تحويل هذا الانتعاش إلى فرص شغل ملموسة ومستدامة لساكنة طانطان.
#طانطان #الصيد_البحري #كلميم_واد_نون #وطن_أنفو #تشغيل_الشباب
















