شهد ميناء طانطان، في الفترة المنقضية من سنة 2026، طفرة نوعية في نشاط صيد الأسماك السطحية الصغيرة، بعدما بلغت كميات هذا النوع من الأسماك، إلى غاية 4 شتنبر الجاري، نحو 80 ألف طن، بقيمة مالية إجمالية ناهزت 276 مليون درهم، مسجلة بذلك ارتفاعاً لافتاً مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
قفزة بنسبة 122 في المائة في الكميات المفرغة
وحسب المعطيات الصادرة عن مندوبية الصيد البحري بميناء طانطان، فقد ارتفعت الكميات المفرغة بنسبة 122 في المائة، بعدما انتقلت من نحو 36 ألف طن خلال الفترة ذاتها من سنة 2025 إلى حوالي 80 ألف طن هذا العام، فيما قفزت القيمة المالية للمفرغات بنسبة 112 في المائة، من 130 مليون درهم إلى 276 مليون درهم.
وأوضح رشيد كسا، مندوب الصيد البحري بميناء طانطان، أن سمك السردين يستحوذ على نحو 99.7 في المائة من إجمالي المصطادات، التي حققها أسطول نشط يضم 129 مركباً، مشيراً إلى أن جودة المنتجات البحرية ساهمت بدورها في الرفع من قيمتها التجارية وتعزيز القيمة المضافة المرتبطة بها داخل الأسواق.
تدابير تنظيمية في صلب هذا التحسن
وتعكس هذه المؤشرات تحسناً واضحاً في أداء نشاط الصيد السطحي بالميناء، في ظل جملة من التدابير التنظيمية التي اعتمدتها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، في إطار سياسة تدبيرية استباقية تهدف إلى حماية المخزون السمكي وضمان استدامته.
وفي مقدمة هذه الإجراءات، تأتي فترة الراحة البيولوجية التي امتدت من فاتح يناير إلى 15 فبراير 2026، بهدف المساهمة في تجدد المخزون السمكي. كما تم اعتماد تدابير لحماية صغار الأسماك، عبر منع الصيد في المناطق الممتدة من جنوب طانطان إلى شمال العيون، بعد رصد وجود صغار الأسماك بها، وذلك خلال الفترة الممتدة من 12 دجنبر 2024 إلى 18 يونيو 2026.
وقد أدى فتح هذه المناطق أمام نشاط الصيد بتاريخ 18 يونيو 2026 إلى توفير مجالات بحرية جديدة وصفت بالخصبة، وهو ما أتاح للمهنيين مساحات اشتغال أوسع ومردودية أفضل. كما ساهم توسيع نطاق الاستغلال وفتح مجالات بحرية إضافية مطلع أبريل ويونيو في توفير فضاءات أوسع أمام مراكب الصيد، الأمر الذي انعكس إيجاباً على مردودية الأسطول وحجم المفرغات المسجلة بالميناء.
وفي السياق ذاته، تم خلال يوليوز الماضي اعتماد حزمة من الإجراءات التنظيمية الرامية إلى ضبط نشاط مراكب صيد الأسماك السطحية والحد من ظاهرة “البورباج”، فضلاً عن تحسين انسيابية عمليات التفريغ والتسويق، بما يضمن الاستخدام الأمثل للإمكانات اللوجستية المتاحة ويحافظ على انتظام الدورة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع.
تتبع علمي دقيق لضمان استدامة المخزون
وتكتسي هذه التدابير أهمية خاصة في ظل السعي إلى تحقيق توازن دقيق بين رفع الإنتاج والمحافظة على الثروة السمكية، إذ شددت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري على ضرورة مواكبة تطور نشاط الصيد بتتبع علمي دقيق، يشرف عليه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، من خلال تعزيز حضور الملاحظين العلميين على متن سفن الصيد وتكثيف عمليات أخذ العينات خلال عمليات التفريغ.
ويتيح هذا التتبع توفير معطيات علمية محينة حول وضعية المصايد، بما يساعد على اتخاذ قرارات ديناميكية ملائمة في الوقت المناسب، خصوصاً بشأن مؤشرات تطور المخزون السمكي وحجم صغار الأسماك ومدى تأثير الظروف البيئية والمناخية على الموارد البحرية.
وفي المقابل، دعت السلطات المختصة مهنيي القطاع إلى الإبلاغ الفوري عن أي مؤشرات من شأنها التأثير في استدامة الموارد، ولا سيما ارتفاع نسبة صغار الأسماك أو ظهور عوامل تهدد التوازنات البحرية، في إطار مقاربة تشاركية تجعل من المهنيين طرفاً أساسياً في حماية الثروة السمكية وضمان استمرارية النشاط.
قراءة تحليلية: بين الانتعاش الاقتصادي والرهان على الاستدامة
تكشف هذه الأرقام عن معطى مزدوج يستحق التوقف عنده: فمن جهة، يعكس الارتفاع الكبير في الكميات والقيمة المالية للمفرغات انتعاشاً اقتصادياً مهماً لميناء طانطان، الذي يستعيد من خلاله موقعه ضمن الأقطاب الاستراتيجية لقطاع الصيد الساحلي بالمملكة، بعد فترة من التراجع النسبي. ومن جهة أخرى، فإن هذا الانتعاش لا ينفصل عن منظومة تدابير تنظيمية متدرجة، جمعت بين الراحة البيولوجية وحماية صغار الأسماك وضبط نشاط الأساطيل، في مقاربة تحاول التوفيق بين مطلبين قد يبدوان متعارضين: رفع الإنتاج من جهة، وصون المخزون السمكي من الاستنزاف من جهة أخرى.
ويرى متتبعون للقطاع أن النتائج المسجلة بميناء طانطان منذ بداية السنة تؤشر على إمكانية استعادة الميناء لموقعه الاقتصادي التاريخي، خاصة إذا استمرت الظروف المناخية والتنظيمية المواتية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. غير أن استمرارية هذا الأداء الإيجابي تظل رهينة بمدى نجاعة آليات التتبع العلمي المعتمدة، وبمدى التزام المهنيين أنفسهم بالإبلاغ عن أي مؤشرات قد تهدد توازن المصايد، في ظل مقاربة تشاركية تجعل من استدامة الثروة السمكية مسؤولية جماعية تتجاوز الأجهزة الرسمية وحدها.
وبين الأرقام الإيجابية والتحديات البيئية الكامنة، يبقى الرهان الحقيقي لميناء طانطان هو تحويل هذه الطفرة الظرفية إلى دينامية مستدامة، تراعي في آن واحد المردودية الاقتصادية للمهنيين والمحافظة على التوازنات البيئية للثروة البحرية بالمنطقة، باعتبارها ثروة استراتيجية يرتبط بها مستقبل القطاع في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
















