خمس ساعات من النقاش في البرلمان الإسباني حول أحداث سبتة.. سانشيز شبه وحيد في تبرئة المغرب
تقرير خاص
استناداً إلى معطيات نشرتها وسائل إعلام إسبانية، شهد البرلمان الإسباني واحدة من أبرز الجلسات السياسية التي أعقبت أحداث سبتة، إذ انطلقت الجلسة في التاسعة صباحاً، وامتد النقاش المتعلق بمثول رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وردوده على مختلف الكتل البرلمانية لأكثر من خمس ساعات متواصلة.
وخُصصت الجلسة لمساءلة رئيس الحكومة حول تفاصيل أحداث سبتة، وتمحور النقاش حول ثلاثة أسئلة مركزية ومترابطة: هل كان المغرب وراء العملية؟ وماذا كانت تعرف الحكومة الإسبانية قبل وقوعها؟ وهل أخفت حكومة سانشيز معلومات عن البرلمان والرأي العام؟
ووفق المصادر الإعلامية ذاتها، يعود سبب هذا التحول في اللهجة السياسية إلى التقرير الذي أعده المركز الوطني للهجرة والحدود (CENIF)، التابع للشرطة الوطنية الإسبانية، والذي وصل إلى قاضية المحكمة الوطنية. وحسب ما تم تسريبه من هذا التقرير، فإنه يعتبر الدخول الجماعي عملية مخططة وغير عفوية، ويشير إلى تصرفات صادرة عن عناصر أمن مغربية قامت بتوجيه بعض المتدفقين نحو نقاط العبور، إضافة إلى الحديث عن تعبئة رقمية منظمة سبقت وقوع الأحداث. غير أن التقرير، بحسب ما تم تداوله، لا يقدم حتى الآن الدليل الذي يحدد الجهة داخل الدولة المغربية التي أصدرت أمراً بتنظيم العملية.
ماذا قال سانشيز في الجلسة؟
دخل رئيس الحكومة الإسبانية الجلسة متمسكاً بخط دفاع واضح، مفاده أنه لا توجد حتى اليوم أدلة صلبة تسمح للحكومة الإسبانية بالجزم بأن السلطات المغربية هي التي خططت أو نفذت عملية سبتة. وأكد سانشيز أن لا الاستخبارات الإسبانية (CNI)، ولا الشرطة الوطنية، ولا الأجهزة الدبلوماسية، ولا المؤسسات الأوروبية أو الدولية زودت الحكومة بدليل يسمح بهذا الاستنتاج. غير أنه أضاف تصريحاً لافتاً مفاده أنه في حال ظهور أدلة من هذا النوع، فإن إسبانيا ستتصرف بكل حزم، وأن الحكومة لا تخشى مواجهة أي دولة أجنبية.
وفي محاولة للرد على سؤال محوري طرحته المعارضة، وهو كيف يوجد تقرير بهذه الخطورة داخل أجهزة الشرطة بينما تؤكد الحكومة أنها لم تكن على علم به، أجاب سانشيز بأن التقرير لم يصل إلى الحكومة، مطالباً بتفسير سبب عدم رفع معلومات بهذه الأهمية عبر التسلسل الأمني إلى وزارة الداخلية.
وأعلن رئيس الحكومة عن خطوة قد تكتسي أهمية بالغة خلال الأيام المقبلة، تتمثل في إعداد ونشر جميع التقارير التي كانت بحوزة الحكومة حول أزمة سبتة، بما يتيح معرفة ماذا كانت الحكومة تعرف بالضبط، ومتى عرفته.
ومن جهة أخرى، اعترف سانشيز بوجود فشل ما في منظومة الاستخبارات والإنذار المبكر، متحدثاً عن طبيعة جديدة للتهديدات الهجينة التي تستعمل شبكات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا لتعبئة أعداد كبيرة من الأشخاص خلال وقت قصير.
غير أن لهجته تجاه المغرب بدت أكثر صرامة مقارنة بالأيام الأولى للأزمة، إذ كشف للمرة الأولى أن الحكومة الإسبانية استدعت السفيرة المغربية في مدريد يوم 21 غشت، للاحتجاج على تصريحات أدلى بها وزيران مغربيان بشأن سبتة ومليلية، وهو أمر لم تكن الحكومة قد أعلنت عنه في حينه.
وشدد سانشيز على أن إسبانيا لن تتنازل أبداً عن سيادتها على سبتة ومليلية، متحدثاً عن ضرورة إعادة النظر في بعض آليات التعاون والإنذار مع المغرب. وهنا ظهرت المفارقة المركزية للجلسة: فبينما رفض سانشيز اتهام الدولة المغربية بشكل مباشر في غياب دليل قاطع، بدت الغالبية الساحقة من الكتل البرلمانية التي تدخلت غير مشاركة له هذا الاطمئنان تجاه الرباط.
الحزب الشعبي (PP): سانشيز كان يعرف وغطّى على المغرب
قدّم ألبرتو نونييث فييخو، زعيم حزب المعارضة الرئيسي، أقسى مواجهة مباشرة لرئيس الحكومة، مؤكداً أن العملية “خرجت من المغرب، وسمح بها المغرب، وهناك مؤشرات على أن المغرب قام بتنسيقها”، ووصف ما جرى بأنه اعتداء على الوحدة الترابية الإسبانية. ووجّه إلى سانشيز اتهاماً مباشراً بالقول إنه “كان يعرف وغطّى على الأمر”.
ووضع فييخو رئيس الحكومة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أنه لم يكن على علم بما تعرفه أجهزة دولته، وبالتالي فهو غير كفء لتولي المنصب، أو أنه كان يعرف واختار حماية الرواية المغربية، وبالتالي فهو متواطئ. وفي كلتا الحالتين طالبه بالاستقالة. كما أعاد الحزب الشعبي قضية “بيغاسوس” إلى صدارة النقاش، متسائلاً عن طبيعة المعلومات التي قد يكون المغرب حصل عليها بعد اختراق هاتف سانشيز، بما قد يفسر، حسب زعمه، دفاعه عن المغرب بهذه الطريقة التي وصفها بغير المفهومة.
فوكس (Vox): ما حدث “غزو” وحرب هجينة
ذهب سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس، إلى أبعد بكثير مما ذهب إليه الحزب الشعبي، إذ وصف ما جرى بأنه “غزو” وشكل من أشكال “الحرب الهجينة”، واتهم سانشيز بخيانة سكان سبتة والخضوع للمغرب. وطالب بتفعيل مسار مرتبط بالمادة 102 من الدستور الإسباني لمساءلة رئيس الحكومة عن تهمة الخيانة، ضاغطاً في الوقت ذاته على الحزب الشعبي لدعم هذا التوجه.
غير أن خطاب فوكس واجه انتقادات شديدة من أحزاب اليسار، بسبب استعماله المهاجرين أنفسهم كأداة في الصراع السياسي وتصويرهم باعتبارهم أعداء.
سومار (Sumar): الضربة الأكثر إحراجاً لأنها جاءت من داخل الحكومة
سياسياً، لم تكن مداخلة الحزب الشعبي أو فوكس هي الأضعف تأثيراً على موقف سانشيز، بل جاء الإحراج الأكبر من موقف حزب سومار، شريكه في الائتلاف الحكومي. إذ قال إنريكي سانتياغو، ممثل الحزب، إن “إسبانيا تعرضت لهجوم من المغرب باستعمال أشخاص ضعفاء”، رافضاً تفسير الأحداث باعتبارها مجرد نشاط عابر لشبكات المافيا وتهريب المهاجرين، معتبراً أن تبرئة المغرب “غير ذات مصداقية”.
وفي الوقت نفسه، رسم سومار خطاً واضحاً يفصله عن مواقف اليمين، إذ اعتبر أن المغرب يتحمل المسؤولية عما جرى، لكن المهاجرين أنفسهم ليسوا هم العدو، بل هم أشخاص في وضعية هشاشة جرى استغلالهم واستعمالهم، ولذلك رفض الحزب خطاب “الغزو” والتحريض ضد المهاجرين. كما اعتبر وزير الحقوق الاجتماعية المنتمي لسومار أن سياسة “استرضاء” المغرب لم تنجح، ورأى في بعض العبارات التي استعملها سانشيز خلال الجلسة إشارات إلى بداية إعادة نظر في العلاقة مع الرباط.
بوديموس (Podemos): لماذا تحمون المغرب؟
جاءت مداخلة زعيمة حزب بوديموس من بين الأكثر حدة تجاه النظام المغربي، إذ وصفت المغرب بأنه”نظام شمولي” غير ديمقراطي ،
واتهمت الحكومة الإسبانية بـ”الاستسلام” أمام الملك محمد السادس، مطالبة بتغيير جذري في السياسة الإسبانية تجاه الرباط، يشمل قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية، كما ربطت الأزمة بالتحول الذي أقدم عليه سانشيز في الموقف الإسباني من قضية الصحراء.
اليسار الجمهوري الكطالوني (ERC): المغرب حاول إسقاط الحكومة
اتهم ممثل الحزب المغرب باستعمال عشرات الآلاف من الأشخاص في محاولة لزعزعة استقرار الحكومة الإسبانية وإسقاطها، قائلاً إن “الحكومات لا تسقط لأنها تخطئ، وإنما لأنها تكذب”.
ويُعتبر هذا الحزب من ضمن مكونات الأغلبية البرلمانية التي يعتمد عليها سانشيز، وقد حذّر من أن المشكلة قد تنتقل من مجرد سوء تدبير لأزمة سبتة إلى أزمة ثقة ومصداقية، في حال ثبت لاحقاً أن الحكومة كانت تعرف أكثر مما اعترفت به علناً.
يونتس الكطالوني (Junts): معادلة محرجة جداً لسانشيز
اعتبرت ممثلة الحزب أنه إذا كان سانشيز على علم بالتقارير والتحذيرات السابقة، ثم أقدم رغم ذلك على تبرئة المغرب، فإنه بذلك يكذب لحماية الرباط، أما إذا لم يكن على علم بها، فإن ذلك يعني أن أجهزة الدولة تعمل دون أن يكون رئيس الحكومة مطلعاً على ما يجري داخلها، وبالتالي فهو لا يسيطر على ملف الأمن القومي. وفي الحالتين، اعتبر حزب يونتس أن هناك مشكلة خطيرة تتعلق بقدرة سانشيز على الاستمرار في قيادة الحكومة.
إي إتش بيلدو الباسكي (EH Bildu): المغرب هو العنصر الناقص في المعادلة
وصفت ممثلة الحزب طريقة إدارة الحكومة للأزمة بأنها “سيئة جداً”، معتبرة أن سانشيز لم يقدم تفسيراً مقنعاً لكل ما وقع، وقالت في عبارة لافتة إنه “لا يحتاج المرء إلى أن يكون شديد الذكاء لكي يعرف أن المغرب هو العنصر الناقص في المعادلة”.
غير أن حزب بيلدو، على غرار سومار، رفض تبني خطاب اليمين المعادي للمهاجرين، وتعامل مع القضية باعتبارها أيضاً أزمة إنسانية استُعمل فيها أشخاص في وضعية هشاشة، مطالباً بإعادة ضبط العلاقات مع المغرب ومراجعة السياسة الإسبانية تجاه قضية الصحراء الغربية.
الحزب القومي الباسكي (PNV): المغرب ليس بلداً موثوقاً
حتى الحزب القومي الباسكي، الذي يلعب دوراً مهماً ضمن الأغلبية البرلمانية، لم يتبنَّ رواية سانشيز، إذ انتقد ممثله طريقة إدارة الحكومة للأزمة، واعتبر أنه لا أحد يصدق أن المغرب لم يكن له أي دور فيما حدث، ووصل موقفه إلى حد التشكيك في إمكانية اعتبار المغرب شريكاً موثوقاً لإسبانيا.
سانشيز في موقف سياسي معزول
وبذلك، خرج سانشيز من جلسة اليوم في وضع سياسي وُصف بأنه غريب: فحكومته لم تسقط، وأغلبيته البرلمانية لم تنهَر، لكن رئيس الحكومة بدا شبه وحيد في النقطة المركزية المتعلقة بالمغرب. فحزبا الحزب الشعبي وفوكس يقولان إن المغرب مسؤول، وحزب سومار، شريكه في الحكومة، يقول أيضاً إن المغرب مسؤول، فيما ترفض أحزاب بوديموس وERC ويونتس وبيلدو والحزب القومي الباسكي، بدرجات ولغات مختلفة، تبرئة الرباط أو تعتبرها غير مقنعة.
غير أن هذا لا يعني أن هذه الأحزاب متفقة فيما بينها، إذ يريد اليمين تحميل المغرب المسؤولية مع تشديد السياسة تجاه الهجرة، بينما تريد قوى اليسار تحميل النظام المغربي المسؤولية مع الدفاع عن المهاجرين باعتبارهم ضحايا جرى استعمالهم.
وعليه، يمكن صياغة أهم خلاصة لهذه الجلسة على الشكل التالي: سانشيز خسر معركة الإجماع السياسي حول المغرب، لكنه لم يخسر حتى الآن معركة الأدلة. إذ يفيد التقرير الأمني بأن العملية كانت مخططة وغير عفوية، ويتحدث عن توجيه قامت به عناصر أمن مغربية، وعن ساعات جرى خلالها السماح بالعبور، كما تُظهر التحقيقات وجود تعبئة رقمية منظمة سبقت الأحداث. لكن الحلقة الحاسمة ما تزال مفقودة: أين الدليل الذي يربط هذه الأفعال بقرار صادر عن الحكومة المغربية أو عن أجهزة الدولة العليا؟
ويتمترس سانشيز خلف هذه النقطة بالتحديد، إذ يرى أن وجود عناصر مغربية تتصرف بهذه الطريقة لا يكفي لاتهام الدولة المغربية بأنها صاحبة القرار، بينما يقول خصومه، وحتى عدد من حلفائه، إن حجم العملية والسلوك المغربي على الحدود والتعبئة السابقة وما ورد في تقرير الشرطة، تجعل تبرئة المغرب سياسياً أمراً غير قابل للتصديق، حتى وإن جرت تبرئته قضائياً لاحقاً.
ماذا بعد جلسة اليوم؟
حتى الآن، يبدو أن هناك ثلاثة ملفات ستحدد الاتجاه الذي ستسلكه هذه الأزمة:
أولاً، التقارير الأمنية، حيث وعد سانشيز بنشر جميع التقارير التي كانت متاحة لدى الحكومة، وهو ما سيتيح معرفة ما إذا كانت هذه التقارير تتطابق فعلاً مع روايته أمام البرلمان، أم أن بعضها يتضمن معلومات أقوى مما صرّح به.
ثانياً، المسار القضائي، إذ إن تقرير المركز الوطني للهجرة والحدود (CENIF) موجود حالياً لدى قاضية المحكمة الوطنية، بينما تتدخل النيابة العامة والحرس المدني في تقييم الوقائع. وإذا تحول الملف إلى تحقيق قضائي رسمي، فقد يصبح بالإمكان استدعاء مسؤولين وطلب وثائق وتتبع الحسابات والأرقام التي ساهمت في تنظيم العملية.
ثالثاً، المغرب نفسه، إذ أبلغ وزير الخارجية المغربي، اليوم، نظيره الإسباني بأن الرباط فتحت تحقيقاً في ما وقع، وبالتالي فإن نتيجة هذا التحقيق وطريقة تعامل المغرب مع المطالب الإسبانية ستكون عنصراً مهماً في تحديد مستقبل العلاقات بين البلدين.
أما بالنسبة إلى تماسك الحكومة الإسبانية، فلا يبدو أن حزب سومار في طريقه حالياً إلى إسقاط الائتلاف الحكومي بسبب ملف المغرب، لكن جلسة اليوم كشفت عن وجود خلاف استراتيجي حقيقي داخل الائتلاف: إذ يريد سانشيز الحفاظ على التعاون مع الرباط ما لم يظهر دليل قاطع ضد الدولة المغربية، بينما أصبح قطاع مهم من شركائه في الحكم مقتنعاً بأن سياسة “استرضاء” المغرب قد فشلت، وأن العلاقة بحاجة إلى مراجعة شاملة.
وقد يتحول هذا الخلاف إلى أزمة أعمق إذا ظهرت أدلة جديدة، إذ إنه في حال أثبت التحقيق لاحقاً أن أجهزة الدولة المغربية نظمت العملية فعلاً، فسيجد سانشيز نفسه أمام سؤال بالغ الصعوبة: لماذا دافع عن المغرب بهذه القوة قبل اكتمال التحقيق؟ أما إذا ظهر أن الحكومة الإسبانية كانت تعرف مسبقاً معلومات أقوى مما اعترفت به، فستتحول القضية إلى أزمة داخلية تتعلق بمصداقية رئيس الحكومة أمام البرلمان، وليس فقط أزمة في العلاقة مع المغرب.
الخلاصة
دخل سانشيز إلى قاعة البرلمان مطالباً بتوفر الدليل قبل اتهام المغرب، وخرج منها بعدما اكتشف أن معظم أعضاء البرلمان، بمن فيهم جزء مهم من أغلبيته الحكومية والبرلمانية، لم يعودوا بحاجة إلى مزيد من القرائن لكي يشكّوا بقوة في مسؤولية الرباط عما جرى.
















