“الهروب الكبير” إلى سبتة: حين تتحول الهجرة الجماعية إلى مرآة سياسي
لم يكن العبور الجماعي لآلاف المغاربة نحو سبتة المحتلة، أواخر يوليوز 2026، مجرد واقعة هجرة عابرة تُضاف إلى سجل الهجرة غير النظامية المعتاد، بل شكّل، بحسب قراءات سياسية معارضة، حدثا كاشفا لفجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش لفئة واسعة من الشباب المغربي. فالتزامن اللافت بين “الهروب الكبير” وفعاليات الاحتفال بعيد العرش، إلى جانب تقديرات تتحدث عن أعداد قد تتجاوز عشرات الآلاف، حوّل الواقعة من حادثة أمنية-اجتماعية إلى موضوع نقاش سياسي حاد.
في ندوة صحفية نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني مساء الخميس 27 غشت 2026، قدّم كل من جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، وعبد السلام العزيز، الأمين العام لفيدرالية اليسار، قراءتين متكاملتين لكنهما تصبّان في اتجاه واحد: مساءلة السياسات العمومية المتعاقبة.
فبينما ركّز العسري على البعد الرمزي والسياسي للحدث – واصفا إياه بـ”الإهانة” للحكومة نظرا لتزامنه مع احتفالات رسمية، ومطالبا بمحاسبة سياسية تصل حد المطالبة بالاستقالات – اتجه العزيز نحو تفكيك الجذور البنيوية للظاهرة، رابطا إياها بتراكمات عقدين من التدبير الحكومي، وتحديدا بالجيل الذي نشأ في ظل حكومات حزب العدالة والتنمية.
اللافت في تصريحات العسري هو الصياغة التي استخدمها لوصف الفجوة الاجتماعية، حين تحدث عن “مغربين” متوازيين: أحدهما يملك كل مقومات العيش الكريم، والآخر محروم من أبسط الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والسكن والشغل اللائق. هذه الثنائية، وإن لم تكن جديدة في الخطاب اليساري المغربي، اكتسبت زخما إضافيا حين رُبطت مباشرة بحدث ملموس كهجرة الآلاف نحو الضفة الأخرى.
أما العزيز، فقدّم قراءة أكثر تحليلا من الناحية الديموغرافية، إذ لفت إلى أن أغلب المهاجرين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة، وهو ما يجعل من الحدث، في نظره، مؤشرا على فشل مركب في منظومة التعليم والتشغيل، لا مجرد أزمة ظرفية.
خصص المتحدثان جزءا من مداخلتيهما لتوضيح موقف تحالف اليسار من قضايا الوحدة الترابية، في محاولة للرد على من يشكك في التزامهم الوطني بهذا الملف. فقد أكد عبد السلام العزيز جهر الفيدرالية بمغربية سبتة ومليلية في مؤتمراتها، معتبرا أن ملف الحكم الذاتي في الصحراء المغربية لا يمكن التقدم فيه في ظل التوتر القائم مع الجزائر، وهو طرح يربط بين استقرار العلاقات الإقليمية ونجاح الحلول السياسية الداخلية.
من جهته، عبّر جمال العسري عن استغرابه من اتهام اليسار بغياب أطروحة مدافعة عن الوحدة الترابية، مستشهدا ببيان سابق لتحالف اليسار تناول ملف الهجرة الجماعية بشكل صريح، ومشتكيا مما وصفه بـ”حصار” الصوت اليساري إعلاميا.
ما يميز هذا النقاش عن سجالات سياسية سابقة هو محاولة تأطير أزمة الهجرة الجماعية كعرَض لأزمة ثقة أعمق بين المواطن والدولة، وليس كمشكلة أمنية أو اقتصادية بحتة. فالدعوة التي وجهها العزيز لفتح حوار وطني حول محاربة الفساد وترسيخ الديمقراطية، تضع الملف في سياق مطلبي أشمل يتجاوز إدارة الحدود إلى إعادة النظر في نموذج الحكامة نفسه.
يبقى السؤال المطروح أمام الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين هو مدى قدرة هذا النقاش على الانتقال من فضاء الندوات والتصريحات الحزبية إلى مبادرات عملية قابلة للقياس، خصوصا في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، والتي قد تشكل محطة لاختبار مدى تفاعل الناخب المغربي مع هذه الخطابات.
















