وقف تصدير السردين يُكبّد صناعة التعليب الإسبانية خسائر فادحة ويُعيد رسم خريطة التبادل التجاري

هئية التحرير9 مارس 2026آخر تحديث :
وقف تصدير السردين يُكبّد صناعة التعليب الإسبانية خسائر فادحة ويُعيد رسم خريطة التبادل التجاري

قرار مغربي واحد يهزّ صناعة التعليب الإسبانية.. والسردين يكشف هشاشة التبعية
بقرار واحد، صادر عن كاتبة دولة مغربية مكلفة بالصيد البحري، وجدت مصانع تعليب الأسماك في إقليم غاليسيا الإسباني نفسها فجأة في مواجهة سؤال وجودي لم تكن تتوقعه: من أين ستأتي بالسردين؟
منذ أن أعلنت زكية الدريوش، في مطلع فبراير الماضي، تعليق تصدير السردين المجمّد حفاظاً على التموين الداخلي وكبحاً لارتفاع الأسعار في السوق المغربية، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، انتقلت الصناعة الإسبانية من حالة الاطمئنان المعتاد إلى حالة من “الهدوء المتوتر”، تستهلك فيها مخزوناتها المحدودة بينما يقترب موعد الاختبار الحقيقي مع فصل الربيع.
94 بالمائة.. رقم يقول كل شيء
لفهم حجم الارتباك الذي أحدثه القرار المغربي، يكفي استحضار رقم واحد أوردته ANFACO-CYTMA، أبرز هيئة تمثّل صناعة التعليب البحري في إسبانيا: 94 بالمائة من مجموع واردات إسبانيا من السردين المجمّد خارج الاتحاد الأوروبي بين يناير وأكتوبر 2025 كانت مصدرها المغرب، أي ما يعادل 27,400 طن.
هذا الرقم لا يعكس فقط علاقة تجارية بين بلدين جارين، بل يكشف عن اعتماد هيكلي عميق جعل المغرب ركيزة لا تُعوَّض في سلسلة الإنتاج الإسبانية. وحين تتزعزع هذه الركيزة، لا يتوقف خط إنتاج واحد، بل تهتز منظومة صناعية بأكملها.
قرار سيادي بأثر عابر للحدود
الرباط لم تكن تُوجّه قرارها نحو إسبانيا ولا نحو الاتحاد الأوروبي. المنطق المغربي كان داخلياً بامتياز: حماية المستهلك المغربي من موجة غلاء تطال مادة غذائية شعبية حساسة، في سياق تراجع الإمدادات وتقلب الأسواق. غير أن ما بدا من الداخل إجراءً سيادياً مشروعاً لضبط السوق الوطنية، تجلّى من الضفة الأخرى للمتوسط باعتباره ضربة مباشرة لسلسلة تموين لم تكن تتوقع أن تُمسّ.
الصحافة الإسبانية التقطت هذا التحوّل بسرعة، وانتقلت من تغطية خبر تجاري عادي إلى الحديث عن أزمة إمدادات تُهدد النشاط الصناعي وفرص الشغل. صحف كـ La Razón وLa Voz de Galicia نقلت تحذيرات المهنيين بنبرة تصاعدية، مؤكدةً أن المغرب لا يُزوّد إسبانيا بمادة أولية عادية، بل يحتل موقعاً يكاد يكون حاسماً في بنية الإمدادات الخارجية لهذا القطاع.
البحر الإيبيري لا يسدّ الفجوة
أمام هذا الواقع، راهن بعض الصناعيين الإسبان على أن موسم الصيد المحلي قد يُعوّض جزءاً من الخصاص. لكن حتى هذا الرهان يبدو هشاً. فحصة إسبانيا من السردين الإيبيري في 2025 بلغت 17,332 طناً، مع تخصيص 10,132 طناً لأساطيل الكانتابريك والشمال الغربي المرتبطة بغاليسيا. والمشكلة لا تكمن في وجود الحصة فحسب، بل في أن وجودها لا يضمن وفرة فعلية بالوتيرة والجودة والتوقيت الذي تحتاجه المصانع.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن المجلس الدولي لاستكشاف البحار أوصى بألا تتجاوز مصطادات 2026 من السردين في المناطق الإيبيرية 38,978 طناً، مقارنة بإجمالي حصص إسبانيا والبرتغال في 2025 البالغ 51,738 طناً. بمعنى أن التوصية العلمية تشير إلى تراجع ملموس في الكميات المتاحة، مما يجعل الاعتماد على البحر الإيبيري وحده لسد الفجوة خياراً مُكلفاً وغير مضمون.
من مورّد إلى منافس.. قراءة إسبانية قلقة
لكن الأكثر إيلاماً في الحسابات الإسبانية لا يتعلق بانقطاع الإمدادات وحده، بل بما تكشفه الأرقام عن صعود المغرب في سلسلة القيمة المضافة. فالاتحاد الأوروبي استورد 17,538 طناً من معلبات السردين القادمة من المغرب بين يناير وأكتوبر 2025، أي ما يمثّل 89 بالمائة من إجمالي واردات الاتحاد من هذه الفئة خارج منظومته. وفي المقابل، لم يتجاوز إنتاج الصناعة الإسبانية من معلبات السردين في 2024 حوالي 13,503 طن.
هذا التفاوت في الأرقام يفسر حدة الخطاب الإسباني؛ فالقضية باتت تتجاوز مشكلة تموين عارضة لتصبح إشكالية تنافسية هيكلية. المغرب، في القراءة الإسبانية، لم يعد مجرد مورّد للمادة الخام، بل أصبح منافساً يصعد من أسفل السلسلة إلى أعلاها: يحتفظ بالسردين لمصانعه، يحوّله ويعلّبه، ثم يُصدّره إلى السوق الأوروبية ذاتها التي كانت الصناعة الإسبانية تعتبرها حكراً تاريخياً لها.
وقد لخّص روبرتو ألونسو، الكاتب العام لـANFACO-CYTMA، هذا المزاج بجلاء حين وصف القرار المغربي بأنه يُهدد النشاط الصناعي وفرص العمل ويضرب مصالح قطاع بأكمله، مشيراً إلى أن هيئته كانت قد راسلت السلطات المغربية منذ أكتوبر 2025 للتعبير عن قلقها قبل أن يدخل القرار حيز التنفيذ، وهو ما يعني أن الانزعاج الإسباني لم يكن وليد المفاجأة، بل كان يسبق الإعلان الرسمي بأشهر.
مفترق طرق بين منظورين
من منظور الرباط، لا شيء استثنائي في ما جرى؛ دولة منتجة تُعيد توجيه ثروتها البحرية لخدمة أمنها الغذائي وصناعتها الوطنية، وهو حق سيادي لا يحتاج إلى مبرر. أما من منظور مدريد وغاليسيا، فالمسألة أعمق من ذلك: صناعة بنت استقرارها على قرب جغرافي واستمرارية تدفق، حتى تحوّل هذا القرب إلى يقين إنتاجي شبه مطلق، لتكتشف فجأة أن الدولة المنتجة قرّرت أن تضع مصانعها في المقام الأول.
وبين هذين المنظورين يتشكّل جوهر الأزمة، وتبقى الإجابة عن سؤال واحد معلّقة في الهواء: هل ستُراجع إسبانيا نموذجها القائم على التبعية لمورّد وحيد، أم ستنتظر أن يتكرر الدرس من جديد؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل