كشفت مصادر متابعة لملف الصحراء المغربية أن الإدارة الأمريكية باتت تستعين بخبراء من معاهد الدراسات الجيوسياسية لبحث مستقبل النزاع ومصير بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، بعد أن اصطدم المسار التفاوضي الذي دفعت به واشنطن بعقبات متتالية لم تكن في الحسبان.
وكانت الإدارة الأمريكية قد راهنت، منذ انخراطها الكثيف في الملف، على مقاربة تدريجية تبدأ بالمصالحة بين المغرب والجزائر كشرط أساسي لاستقرار شمال إفريقيا، تمهيدا لخلق أجواء مواتية لحل نزاع الصحراء عبر مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية، وعلى رأسها المغرب وجبهة البوليساريو.
في إطار هذا المسعى، احتضنت مدينة ميامي الأمريكية جولة تفاوضية خلال شهر يناير الماضي، تلتها جولة ثانية في مدريد بفبراير، قبل أن تنتقل المفاوضات لاحقا إلى واشنطن نفسها. غير أن هذه الجولات المتعاقبة لم تُفضِ إلى الاختراق الذي كانت تعوّل عليه الإدارة الأمريكية، التي فشلت في تحقيق المصالحة المرجوة بين الرباط والجزائر رغم الموعد الذي كان الرئيس دونالد ترامب قد حدده لشهر مايو الماضي كأفق زمني لهذه المصالحة.
تفاجأت الإدارة الأمريكية، بحسب المعطيات المتوفرة، بأن ملف الصحراء يحمل تعقيدات أعمق مما كانت تقدّره مسبقا. وقد زاد الطين بلّة اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، التي استقطبت كامل اهتمام الإدارة الأمريكية على المستويين العسكري والدبلوماسي، على حساب الانخراط المتواصل في ملف الصحراء.
وفي الوقت ذاته، سجلت واشنطن ترحيبا واسعا من غالبية الدول الأعضاء بمقترح الحكم الذاتي كحل لنزاع الصحراء، إلا أن أعضاء دائمين في مجلس الأمن، وعلى رأسهم روسيا والصين، لا يزالون يشترطون حصول هذا المقترح على قبول الطرف الصحراوي، وهو ما يُبقي الملف رهين توازنات دقيقة داخل المجلس.
في ظل هذا المشهد المعقد، تعكف واشنطن، التي سبق أن اعترفت رسميا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، على دراسة الصيغة الأنسب لمشروع القرار المقبل المرتقب عرضه على مجلس الأمن بشأن الصحراء، بهدف تحقيق توازن دقيق بين هدفين: الحفاظ على زخم المفاوضات رغم صعوبتها الميدانية والسياسية، وصون الإجماع الدولي المتشكل تدريجيا حول مقترح الحكم الذاتي بوصفه الأساس الأقرب للحل.
وتشير المعطيات المتوفرة حاليا إلى توجه أمريكي نحو تمديد مهام بعثة المينورسو، بالتوازي مع دعم استمرار المفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي، في انتظار ما سيسفر عنه مشروع القرار المرتقب من تفاصيل نهائية.
يعكس لجوء واشنطن إلى خبرات معاهد الدراسات الجيوسياسية إدراكا متزايدا داخل الإدارة الأمريكية بأن حل نزاع الصحراء لا يمكن اختزاله في جولات تفاوضية سريعة أو مواعيد سياسية محددة سلفا، بل يستدعي مقاربة أكثر عمقا تأخذ بعين الاعتبار التوازنات الإقليمية والدولية المتشابكة. ويبقى السؤال المطروح اليوم هو مدى قدرة الإدارة الأمريكية على ترجمة هذا التحول المنهجي إلى نتائج ملموسة على مستوى مجلس الأمن، في ظل استمرار حالة الجمود التي يتسم بها الملف منذ عقود.
















