لم يكن إقرار كريستوفر روس بـ”التحول الجذري” الذي أحدثه القرار الأممي 2797 مجرد تقييم أكاديمي من دبلوماسي متقاعد، بل جاء اعترافاً لافتاً من رجل عاش تفاصيل هذا الملف الشائك من الداخل لثماني سنوات، وطالما وُجِّهت إليه اتهامات بالانحياز ضد الموقف المغربي. فما الذي تغيّر فعلاً؟ وهل يعكس هذا التحول إرادة دولية حقيقية لحل النزاع، أم أنه مجرد فصل جديد في مسلسل التأجيل المزمن؟
منذ عام 2003، انتهج مجلس الأمن سياسة “الحياد النسبي” في تعاطيه مع نزاع الصحراء، أي الإبقاء على خيارَي الحكم الذاتي والاستفتاء معاً دون ترجيح أحدهما. غير أن القرار 2797 كسر هذه المعادلة بصورة لا لبس فيها؛ إذ أسقط أي إشارة إلى الاستفتاء، وأرسى مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً وحيداً للتفاوض، معترفاً ضمنياً بأنه “الحل الأكثر واقعية”.
هذا التحول في لغة القرار ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو تحوّل استراتيجي في الموقف الأممي، يُضيّق هامش المناورة أمام البوليساريو والجزائر، ويمنح المغرب رصيداً دبلوماسياً لم يحظَ بمثله في أي قرار سابق.
الأهم من مضمون القرار هو آليته التنفيذية؛ فقد أفضى إلى إعادة توزيع الأدوار بشكل جذري، بانتقال ثقل القيادة من المبعوث الأممي دي ميستورا إلى واشنطن التي باتت تتولى استضافة جولات التفاوض وإدارة إيقاعها. ولم يخفِ روس دلالة هذا التحول، حين وصف دور دي ميستورا بأنه انتقل من “القيادة” إلى “الشراكة في الرعاية”، وهي عبارة تحمل في طياتها تراجعاً واضحاً للدور الأممي لصالح الثقل الأمريكي.
وقد ترجم ذلك ثلاث جولات تفاوضية متتالية بين يناير وفبراير 2025، في واشنطن ومدريد، بمشاركة وفود رفيعة المستوى من الأطراف الأربعة، هي الأولى على المستوى الوزاري المخصص حصرياً لهذا الملف منذ سنوات. غير أن السرية التامة التي أحاطت بهذه اللقاءات، وغياب أي بيانات رسمية، يطرحان تساؤلاً جوهرياً: هل تعكس هذه السرية حساسية المفاوضات وعمقها، أم أنها تخفي شُحّ النتائج؟
على الرغم من الزخم الدبلوماسي، تكشف المعطيات المتسرّبة عن ثبات لافت في مواقف الأطراف. فالمغرب يقرأ القرار تتويجاً لمسعاه الدبلوماسي الممتد لعقدين، ويُصِرّ على أن مبادرة الحكم الذاتي ليست إحدى الخيارات المطروحة، بل هي الخيار الوحيد القابل للتفاوض. في المقابل، تشارك البوليساريو في الجولات دون أن تتخلى عن خيار الاستفتاء قيد أنملة، معتبرةً أن حضورها لا يعني قبولاً ضمنياً بالحكم الذاتي.
أما الجزائر، فتتمسك بصفة “الملاحظ” متجنبةً الانخراط المباشر، رغم أن ثقلها في المعادلة يتجاوز بكثير دور المتفرج. وتواصل موريتانيا حيادها الحذر في ملف تتقاطع فيه مصالحها مع مخاوفها.
هذا التباين لا يُلغي قيمة الحوار المستأنف، لكنه يشير إلى أن الأطراف ربما تجلس إلى الطاولة لاختبار نوايا بعضها أو لتجنب الضغط الأمريكي، أكثر مما تجلس لإنجاز اختراق حقيقي.
رهان الوقت
يكشف روس عن ضغط أمريكي متصاعد للتسريع نحو “اتفاق إطار” قبل أكتوبر المقبل، موعد تجديد ولاية بعثة مينورسو. ويُضاف إلى ذلك أن القرار طالب بمراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة قبل نهاية أبريل، وهو ما يجعل الجدول الزمني ضيقاً وضاغطاً على جميع الأطراف.
في هذا السياق، تبرز معلومات عن وثيقة مغربية موسعة تصل إلى أربعين صفحة، تُفصّل آليات تطبيق الحكم الذاتي، ويُقال إنها شكّلت أرضية تقنية لنقاشات مدريد. وإن صحت هذه المعطيات، فإنها تشير إلى أن المغرب انتقل من مرحلة تسويق المبادرة إلى مرحلة التفصيل التشغيلي، وهو تطور نوعي في مسار ملف طالما اتُّسم بالغموض.
خلاصة تحليلية
ثمة مفارقة لافتة في مقاربة روس لهذا الملف؛ فالرجل الذي كان المغرب يصف وساطته بالمنحازة، بات اليوم يُقرّ بأن الديناميكية الدولية انتقلت لصالح الموقف المغربي. وهذا الإقرار، في حد ذاته، يحمل دلالة سياسية لا يمكن إغفالها.
بيد أن روس يحذر من الانجراف نحو التفاؤل المبكر. فاستئناف الحوار بعد سبع سنوات من الجمود خطوة إيجابية لا شك فيها، لكن الفجوة بين مواقف الأطراف لا تزال واسعة، والطريق نحو تسوية دائمة يستلزم ما هو أعمق من تحولات في لغة القرارات: يستلزم إرادة سياسية حقيقية لا تزال رهينة الاختبار.
















