مينـاء الداخـلـة الأطلسـي.. بوابـة المـغرب نحـو إفـريـقيـا تتـشكّل بنـسبة إنجاز تــتجاوز 62 بالـمـائـة

هئية التحرير16 يونيو 2026آخر تحديث :
مينـاء الداخـلـة الأطلسـي.. بوابـة المـغرب نحـو إفـريـقيـا تتـشكّل بنـسبة إنجاز تــتجاوز 62 بالـمـائـة

ميناء الداخلة الأطلسي.. 62% من الأشغال مُنجزة وأكبر قطب لوجستي في جنوب المغرب يتشكّل

تجاوزت أشغال ميناء الداخلة الأطلسي عتبة 62 بالمائة من نسبة الإنجاز الإجمالية، لتدخل هذا الورش الاستراتيجي الكبير مرحلة حاسمة تكشف يوماً بعد يوم عن ملامح مشروع سيُعيد رسم الخريطة اللوجستية والاقتصادية لجنوب المملكة، بل وسيُغيّر موازين التجارة البحرية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين.

كشفت نسرين اليوزي، مديرة المديرية المؤقتة المكلفة بإنجاز المشروع، أن مختلف الأوراش تسير بوتيرة متوازنة ومنسجمة مع البرنامج التنفيذي المعتمد. وتصدّر الجسرَ البحريَّ قائمةَ المكونات الأكثر تقدماً بنسبة إنجاز بلغت 85 بالمائة بعد نحو سنة ونصف من العمل المتواصل، وهو البنية الرابطة الأساسية بين اليابسة والمنشآت البحرية، دون أن يكون بالإمكان تشغيل أي مرفق مينائي بدون اكتماله.

وعلى مستوى الحاجز البحري الرئيسي، العمود الفقري لمنظومة الحماية البحرية، بلغت نسبة التقدم 80 بالمائة، في ورش يُعدّ من أكثر مكونات المشروع تعقيداً من الناحية الهندسية، نظراً لدوره في توفير ظروف آمنة لرسو السفن وعمليات الشحن والتفريغ في مواجهة أمواج المحيط الأطلسي وتياراته. وتتواصل بالتوازي عمليات الردم الكبرى ووضع المجسمات الخرسانية الضخمة المخصصة لمنشآت الحماية البحرية، وهي عمليات تقنية بالغة الدقة تستلزم تعبئة معدات ثقيلة وفرقاً هندسية متخصصة.

أما الأراضي المسطحة المخصصة للأنشطة اللوجستية والصناعية والخدماتية، فقد بلغت نسبة إنجازها 50 بالمائة على مساحة إجمالية تناهز 57 هكتاراً، وهي الفضاءات التي ستحتضن مستقبلاً مستودعات التخزين والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالميناء. فيما يُنتظر الانتهاء من الحوضين الرئيسيين اللذين سيستقبلان السفن التجارية وسفن الصيد خلال الشهر الجاري، في حين سجّلت المرحلة الثانية من المشروع تقدماً بلغ 20 بالمائة مع توقعات بإنهاء أشغال أراضيها المسطحة قبل نهاية 2026.

وأكدت اليوزي أن جميع المتدخلين في المشروع، من مؤسسات عمومية ومكاتب دراسات وشركات إنجاز ومقاولات متخصصة، يواصلون التنسيق اليومي لتجاوز التحديات التقنية، مشيرةً إلى أن وتيرة الإنجاز الراهنة تكفل الالتزام بالموعد المحدد لاستكمال المرحلة الأولى في نهاية 2028.

لا يمكن استيعاب الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع دون استحضار أرقامه الجوهرية: طاقة استيعابية تصل إلى 35 مليون طن سنوياً، ومناطق اقتصادية ولوجستية تمتد على 1650 هكتاراً، مع إمكانية التوسعة مستقبلاً لاستقبال أنشطة ناشئة كتزويد السفن بالوقود الأخضر والهيدروجين النظيف. هذه الأرقام تضع ميناء الداخلة في مصافّ الموانئ الكبرى على مستوى القارة الإفريقية، وتجعل منه منافساً حقيقياً في استقطاب خطوط الملاحة الدولية.

اللافت في هذا المشروع أن أثره الاقتصادي بدأ يتجلّى قبل افتتاحه بسنوات، إذ كشفت اليوزي أن اهتمام المستثمرين المغاربة والأجانب بجهة الداخلة تضاعف منذ انطلاق الأشغال، وباتت المنطقة تستقبل وفوداً اقتصادية وهيئات استثمارية متواصلة تبحث عن فرص التموقع في هذا القطب الصاعد. وهو مؤشر بالغ الدلالة على أن الميناء لا يُبنى فقط لاستقبال السفن والبضائع، بل لاستقطاب سلاسل صناعية ولوجستية متكاملة قادرة على تحويل جهة الداخلة وادي الذهب إلى منصة اقتصادية من الطراز الأول.

تتجاوز أهمية ميناء الداخلة الأطلسي البُعدَ الاقتصادي المحض لتطال أبعاداً جيوسياسية راسخة. فموقعه الجغرافي على الواجهة الأطلسية الجنوبية، بالقرب من أهم المسارات البحرية الدولية الرابطة بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، يجعل منه ورقة استراتيجية بامتياز في يد المغرب لتعزيز حضوره كفاعل محوري في الفضاء الأطلسي الإفريقي.

ويكتسب المشروع أهمية إضافية في ضوء المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل الإفريقي الحبيسة من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر التراب المغربي، وهو ما يجعل من الميناء أداةً عملية لتنزيل هذه المبادرة على أرض الواقع، وبوابةً لربط عمق القارة الإفريقية بالأسواق العالمية.

ولا يغيب عن هذا السياق ما يوفره المشروع من دعم لقطاع الصيد البحري وتطوير الصناعات المرتبطة به في منطقة تزخر بثروات بحرية هائلة، إلى جانب توفير آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة التي ستُسهم في تحويل الجهة إلى قطب جذب للكفاءات والاستثمارات على المدى البعيد.

ومع اقتراب موعد 2028، يترسّخ يوماً بعد يوم موقع ميناء الداخلة الأطلسي بوصفه أحد أهم الأوراش الاستراتيجية التي أطلقها المغرب منذ عقود، ليس لما سيوفره من بنية تحتية متطورة، بل لما سيُحدثه من تحوّل عميق في جنوب المملكة وفي علاقة المغرب بمحيطه الإفريقي والأطلسي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل