جيل Z يعيد رسم القواعد.. تقرير رسمي يحذر من اتساع الفجوة بين الشباب والمؤسسات

هئية التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
جيل Z يعيد رسم القواعد.. تقرير رسمي يحذر من اتساع الفجوة بين الشباب والمؤسسات

لم تكن الاحتجاجات التي فجّرها جيل Z مجرد موجة غضب عابرة، بل جرس إنذار كشف، بصريح العبارة، عن أزمة بنيوية عميقة في علاقة الدولة بشبابها. فحين يختار آلاف الشباب التنظيم والتصويت على خطواتهم النضالية عبر تطبيق “ديسكورد”، بعيدا كل البعد عن الأحزاب والنقابات والهياكل التقليدية للوساطة، فإن الرسالة تتجاوز شكل الاحتجاج إلى جوهر أعمق: هذا الجيل لم يعد يثق في القنوات التي صُممت أصلا لتمثيله.
حين تصبح “ديسكورد” برلمانا موازيا
اعتماد منصة رقمية مخصصة أصلا لمجتمعات الألعاب الإلكترونية كأداة تنظيم سياسي ليس تفصيلا عابرا، بل مؤشر دال على حجم القطيعة بين جيل كامل وبين المؤسسات الوسيطة التي راهنت عليها الدولة لعقود لتأطير المطالب الاجتماعية. فبدل الاصطفاف خلف حزب أو نقابة أو جمعية، اختار هذا الجيل بناء “برلمان موازٍ” افتراضي، يناقش فيه، يصوّت، ويقرر، في زمن قياسي، بمنطق أفقي لا هرمي، يكشف عمق أزمة الوساطة السياسية التقليدية وعجزها عن استيعاب لغة جيل نشأ داخل الشاشات لا داخل المقرات الحزبية.

لم تكن مطالب الحراك استثنائية أو معقدة: تحسين خدمات الصحة والتعليم، محاربة الفساد، وتوفير فرص الشغل. وهي، في جوهرها، مطالب الحد الأدنى التي يفترض أن تكون قد حُسمت منذ عقود ضمن أي سياسة عمومية جادة. وحين يضطر جيل كامل للنزول إلى الشارع للمطالبة بحقوق أساسية كهذه، فإن ذلك يفضح فجوة حقيقية بين خطاب السياسات العمومية الموجهة للشباب، وبين واقعها الفعلي على الأرض.
فالسياسات العمومية “الشبابية”، في كثير من الأحيان، اقتصرت على شعارات فضفاضة وبرامج احتفالية موسمية، دون أن تتحول إلى مقاربة حقيقية تُشرك الشباب في صياغة القرار، أو تستوعب تحولاته الفكرية والمجتمعية العميقة. وهذا بالضبط ما يفسر انزلاق بعض الاحتجاجات، في مناطق معينة، نحو مواجهات وأعمال عنف، رغم تبرؤ منظمي الحراك أنفسهم من أعمال التخريب عبر بياناتهم الرسمية على “ديسكورد”، في محاولة للحفاظ على الطابع السلمي لمطالبهم أمام محاولات اختراق أو تسييس هذا الغضب المشروع.
أزمة احتضان الكفاءات.. من الاحتجاج إلى الهجرة
الأخطر من الاحتجاج في حد ذاته هو ما لا يُقال صراحة في الشارع لكنه يُترجم فعليا في أرقام الهجرة: عجز المنظومة عن احتضان كفاءاتها الشابة. فحين لا يجد الشاب المؤهل فرصة عمل تليق بتكوينه، ولا فضاء سياسيا يستوعب طموحه، ولا مؤسسة تصغي فعليا لصوته، فإن الخيار الطبيعي يصبح إما الاحتجاج في الشارع، أو الهجرة خارج الحدود بحثا عن فرصة لا يجدها في وطنه. وهذا ما يضع السياسات العمومية أمام مفارقة صارخة: دولة تستثمر في تكوين شبابها، ثم تخسرهم إما لصالح الغضب الداخلي أو لصالح هجرة الأدمغة نحو الخارج.
وفي مقابل هذا المشهد، جاء إعلان الدولة عن إجراءات لتشجيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية وتوسيع تمثيليتهم كاستجابة تصحيحية، لكنها تبقى، في غياب مقاربة جذرية، عرضة لتكرار السيناريو ذاته ما لم تُترجم إلى آليات فعلية تُشرك الشباب في القرار لا في الاستشارة الشكلية فقط. فالمعادلة اليوم واضحة: إما مؤسسات تتجدد فعليا لتستوعب لغة جيل Z ومنطقه الأفقي واللامركزي، أو مزيد من الفجوة التي لن تنتج، في الجولة المقبلة، احتجاجا سلميا منظما عبر منصة رقمية، بل تصدعا أعمق في العقد الاجتماعي بين الدولة وأجيالها الصاعدة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل