مأسسة آليات النوع الاجتماعي.. رئاسة الحكومة تضع القطاعات الوزارية أمام التزام مؤسساتي جديد

هئية التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
مأسسة آليات النوع الاجتماعي.. رئاسة الحكومة تضع القطاعات الوزارية أمام التزام مؤسساتي جديد

عمّمت رئاسة الحكومة منشوراً يحمل رقم 11/2026، بتاريخ 23 يوليوز 2026، موجهاً إلى السيدات والسادة الوزراء والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة والمندوبين الساميين والمندوب العام، في موضوع مأسسة آليات النوع الاجتماعي داخل القطاعات الوزارية، في خطوة تندرج ضمن مواصلة تنزيل الأوراش الاستراتيجية التي انخرطت فيها المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الرامية إلى تعزيز المساواة بين النساء والرجال وترسيخ مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.

ويستحضر المنشور، في تأصيله لهذا التوجه، أحكام الفصل 19 من دستور المملكة، والالتزامات الدولية للمغرب في هذا المجال، إلى جانب التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تعزيز مشاركة النساء في مختلف مجالات التنمية، كما يستند إلى التوجيهات الواردة في النموذج التنموي الجديد والبرنامج الحكومي 2021-2026 والخطة الحكومية للمساواة.

من المكتسبات إلى الاستدامة: أي تحول تقترحه الوثيقة؟

يسجل المنشور أن المملكة حققت خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في مجال إدماج مقاربة النوع الاجتماعي والميزانية المستجيبة لها ضمن السياسات والبرامج العمومية، عبر تطوير الآليات والممارسات المرتبطة بالتخطيط والبرمجة والتدبير القائم على مراعاة احتياجات النساء والرجال على حد سواء. غير أن الوثيقة تقر ضمنياً بأن هذه المكتسبات تبقى في حاجة إلى ما هو أبعد من التثمين الظرفي؛ إذ تشير صراحة إلى ضرورة “تعزيز أثرها على المديين المتوسط والبعيد”، بما يستدعي الانتقال إلى “مرحلة أكثر تقدماً في مسار المأسسة” تضمن استدامة الجهود المبذولة وتكاملها. وهذا التمييز بين “الإنجاز” و”المأسسة” يشكل جوهر المنشور: فالهدف لم يعد تحقيق نتائج متفرقة، بل بناء منظومة مؤسساتية دائمة تستمر بمعزل عن الأشخاص أو الظرفية.

آلية مزدوجة: وحدات مركزية ونقط ارتكاز ترابية

انسجاماً مع الطابع الأفقي الذي تفرضه مقاربة النوع الاجتماعي، وما يستوجبه ذلك من تعبئة مختلف الفاعلين العموميين، يدعو المنشور جميع القطاعات الوزارية إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمأسسة هذه المقاربة والميزانية المستجيبة لها ضمن بنياتها الإدارية، بما يضمن إدماج هذا المنهج في مختلف مراحل التخطيط والبرمجة والتنفيذ والتتبع والتقييم. ولتفعيل هذا الهدف، يعتمد المنشور مقاربة على مستويين متكاملين:

على المستوى المركزي، يتعين على القطاعات الوزارية العمل على إحداث أو تعزيز وحدات إدارية ملحقة بالكتابات العامة، تتولى تتبع وتنسيق إدماج مقاربة النوع الاجتماعي والميزانية المستجيبة لها، مع الحرص على تمكينها من الاضطلاع بمهامها في مجالات المواكبة والتنسيق وإعداد المعطيات والمؤشرات ذات الصلة، بما يضمن استمرارية هذا الورش ونجاعة تنزيله.

وعلى المستوى الترابي، واستكمالاً لهذا المجهود، يتعين على القطاعات الوزارية تعيين نقط ارتكاز للنوع الاجتماعي داخل مصالحها اللاممركزة، تتولى مواكبة تنزيل البرامج والمشاريع والمبادرات ذات الصلة، والسهر على تجميع المعطيات والمعلومات الضرورية لتتبع مدى إدماج هذه المقاربة داخل مجالات تدخلها.

ويكشف هذا التوزيع عن منطق حكامة متدرج: مركزية تتولى التنسيق الاستراتيجي وبناء المؤشرات، وترابية مكلفة بالتنزيل الميداني وتغذية المنظومة بمعطيات واقعية، وهو ما يفترض، لضمان نجاعته، تنسيقاً محكماً بين المستويين وتوفير الموارد البشرية الكفيلة بتفعيله.

تنسيق مؤسساتي ثلاثي الأطراف

يخصص المنشور فقرته الختامية لدعوة صريحة إلى اتخاذ التدابير التنظيمية والإدارية اللازمة لتنفيذ مقتضياته، وتعبئة الموارد البشرية والتنظيمية الضرورية لإنجاحه، مع جعل النهوض بالمساواة بين النساء والرجال وإدماج مقاربة النوع الاجتماعي والميزانية المستجيبة لها محوراً أساسياً في إعداد وتنفيذ وتتبع وتقييم السياسات والبرامج العمومية. ويحدد المنشور، في هذا الإطار، إطاراً تنسيقياً ثلاثي الأطراف يجمع بين رئاسة الحكومة، ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة (عبر مديرية المرأة)، ووزارة الاقتصاد والمالية (عبر مركز الامتياز الخاص بميزانية النوع الاجتماعي)، في صيغة تكرس تقاطع الاختصاصات بين البعد الاجتماعي والبعد المالي لهذا الورش.

قراءة في الدلالة

يتجاوز هذا المنشور، بحمولته التنظيمية، منطق الإعلان عن نية سياسية إلى صياغة التزام إداري قابل للتتبع والمساءلة: تسمية بنيات محددة (وحدات مركزية ونقط ارتكاز ترابية)، وتحديد جهات وصاية للتنسيق، وربط الأمر بمؤشرات ومعطيات يفترض جمعها بانتظام. وبقدر ما يشكل ذلك خطوة نحو تحويل مقاربة النوع الاجتماعي من التزام مبدئي إلى آلية تدبيرية، فإن فعاليته الفعلية ستُقاس، كما ألمحت الوثيقة نفسها، بمدى قدرتها على الصمود على المدى المتوسط والبعيد، لا بعدد البنيات المُحدثة على الورق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل