نغيروا النظرة ديالنا”.. التعاون الوطني بكلميم واد نون يفتح نقاش التربية الدامجة وحقوق ذوي الإعاقة

هئية التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
نغيروا النظرة ديالنا”.. التعاون الوطني بكلميم واد نون يفتح نقاش التربية الدامجة وحقوق ذوي الإعاقة

“النظرة” قبل “الولوج”: كيف يمكن للتربية أن تُحدث التحول الحقيقي في قضية الإعاقة؟

كلميم –

حين اختارت الحملة الوطنية الثانية لإذكاء الوعي بالإعاقة شعار “نغيروا النظرة ديالنا”، فإنها وضعت إصبعها على جوهر المشكلة: أن أعمق الحواجز التي تواجه الشخص في وضعية إعاقة ليست مادية بالضرورة، بل هي حواجز ذهنية تتشكل مبكراً، وتتجذر عبر التنشئة الاجتماعية والمدرسية قبل أن تتحول إلى سلوكيات إقصاء في الفضاء العام. وهذا ما يمنح المائدة المستديرة التي احتضنتها كلميم يوم الخميس 16 يوليوز 2026 بُعداً يتجاوز الحدث الظرفي، ليطرح سؤالاً تربوياً بامتياز: من أين تبدأ صناعة “النظرة الجديدة”؟

من اللافت أن مختلف المداخلات في اللقاء ركّزت على “تغيير التمثلات المجتمعية السلبية” باعتباره شرطاً أساسياً لأي إدماج حقيقي، وهو ما يعيد المدرسة والأسرة إلى قلب النقاش. فالتمثلات التي يحملها الطفل تجاه أقرانه في وضعية إعاقة تُبنى غالباً في الفصل الدراسي وفي محيطه الاجتماعي المباشر، قبل أن تتحول إلى مواقف راسخة في سن الرشد. من هنا، فإن أي حملة تحسيسية تستهدف الكبار وحدهم، دون أن تمر عبر المنظومة التربوية، تظل قاصرة عن إحداث تحول جذري ومستدام.

تناولت المداخلات أيضاً مسألة الولوجيات والخدمات والمشاركة الفعلية، وهي ثلاثية تنطبق بشكل مباشر على المنظومة التعليمية: فولوج الأطفال في وضعية إعاقة إلى المدرسة لا يكفي وحده، ما لم تواكبه بيئة بيداغوجية دامجة فعلاً، تشمل تكوين الأطر التربوية على التعامل مع الإعاقة، وتكييف المناهج والوسائل الديداكتيكية، وخلق مناخ صفي يقوم على القبول لا على التسامح المشروط. فالمدرسة الدامجة ليست مجرد استقبال للتلميذ في وضعية إعاقة داخل الفصل، بل هي مشروع تربوي متكامل يعيد تعريف “العادي” ليشمل التنوع بكل أشكاله.

ما ميّز هذا اللقاء هو الجمع بين مؤسسات الدولة والجماعات الترابية والجمعيات الفاعلة في مجال الإعاقة، في مقاربة تشاركية تُقر بأن التربية على قيم المساواة وعدم التمييز ليست مسؤولية قطاع بعينه، بل مسار تراكمي يتطلب تنسيقاً مستمراً بين الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام. وهنا يبرز دور الإعلام نفسه كفاعل تربوي غير مباشر، قادر على تصحيح الصور النمطية وتقديم نماذج إيجابية عن الأشخاص في وضعية إعاقة، بدل الاقتصار على تغطية إعاقتهم كحدث استثنائي أو مثير للشفقة.

يبقى الرهان الحقيقي في قدرة هذه المبادرات على تجاوز طابعها التحسيسي الموسمي، نحو ترسيخ ثقافة دامجة في الممارسة اليومية داخل المؤسسات التعليمية والإدارية. فالتوصيات التي تنتهي بها هذه اللقاءات، مهما كانت وجيهة، تحتاج إلى آليات تتبع وتقييم واضحة، وبرامج تكوين مستمرة لفائدة المدرسين والأطر الإدارية، وميزانيات تخصص فعلياً لتكييف الفضاءات التربوية.

تذكّرنا مائدة كلميم بأن “تغيير النظرة” ليس شعاراً موسمياً، بل مشروع تربوي طويل النفس، يبدأ من الفصل الدراسي وينتهي في الفضاء العام. وما لم تتحول قيم الإدماج والمساواة إلى ممارسة يومية داخل المنظومة التعليمية، فإن كل الجهود المؤسساتية الأخرى ستظل تصطدم بجدار “النظرة” التي لم تتغير بعد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل