الانتخابات التشريعية تقترب.. و”الترحال الحزبي” يطرح من جديد سؤال مصداقية التمثيل السياسي بالمغرب
كلما اقترب موعد استحقاق انتخابي كبير، يعاود “الترحال السياسي” فرض حضوره كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد الحزبي المغربي. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تتكرر المشاهد ذاتها: منتخبون وفاعلون حزبيون يغيّرون مواقعهم بحثاً عن تزكية أضمن أو حظوظ انتخابية أوفر، في ظاهرة تعيد فتح النقاش حول معنى الانتماء الحزبي ذاته، وحدود التزام السياسيين ببرامجهم ومرجعياتهم، وانعكاس كل ذلك على مصداقية العمل الحزبي وجودة التمثيلية الديمقراطية وثقة المواطن في مؤسساته المنتخبة.
يبدو أن كثيراً من البرلمانيين والفاعلين السياسيين باتوا يتعاملون مع الانتماء الحزبي كخيار وظيفي قابل للتعديل بحسب الظرفية، لا كموقف فكري ثابت. فبدل البقاء أوفياء لمرجعياتهم وبرامجهم، يتجه هؤلاء نحو الأحزاب التي تمنحهم أفضل الفرص للفوز بمقعد أو الحصول على تزكية، وهو منطق يفرغ العمل الحزبي من مضمونه الفكري ويترك انطباعاً متزايد الرسوخ، خصوصاً لدى الشباب، بأن السياسة تحوّلت إلى سوق مصالح متبادلة أكثر منها التزاماً بمشروع مجتمعي.
ومن الأمثلة اللافتة على هذا التوجه، حالة البرلمانية زينب السيمو، المنتمية لحزب التجمع الوطني للأحرار، والتي تقدمت كوكيلة للائحة حزب الأصالة والمعاصرة في دائرة العرائش، لكن تحت شعار هذا الأخير. وفي السياق ذاته، يستعد البرلماني محمد الزموري، ممثل دائرة طنجة – أصيلة، للترشح باسم الحركة الشعبية، رغم أنه يشغل حالياً منصب المنسق الجهوي لحزب الاتحاد الدستوري في الشمال.
يمكن قراءة ظاهرة الترحال الحزبي قبيل الاستحقاقات الانتخابية من زاويتين متكاملتين. الزاوية الأولى براغماتية بحتة، إذ يسعى بعض الفاعلين السياسيين إلى التموقع داخل الأحزاب التي يرون أنها تمنحهم حظوظاً أكبر في نيل التزكية أو الفوز بالمقعد، بمعزل عن أي انسجام فكري أو برامجي مع خطها السياسي.
أما الزاوية الثانية فأعمق، وتكشف عن إشكال بنيوي يتعلق بضعف رسوخ الانتماءات السياسية القائمة على البرامج والمرجعيات الفكرية، وبعجز الأحزاب نفسها عن تكوين نخبها وإفراز قياداتها من داخل هياكلها التنظيمية، فتلجأ بدل ذلك إلى استقطاب وجوه جاهزة في اللحظات الأخيرة التي تسبق كل استحقاق، بحثاً عن أصوات إضافية أكثر من بحثها عن انسجام سياسي حقيقي.
ثمة فرق جوهري ينبغي عدم الخلط فيه بين حرية الفرد في تغيير انتمائه السياسي، وهي حق مكفول لكل مواطن، وبين ما يُعرف بـ”الترحال السياسي” بمفهومه السلبي والمرتبط بحسابات انتخابية آنية. والدستور المغربي، من جهته، وضع بالفعل ضوابط صارمة لهذه المسألة، لكنها تقتصر على فترة الانتداب البرلماني فقط: إذ ينص الفصل 61 منه على تجريد أي عضو من مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى عن الانتماء السياسي الذي تقدم للانتخابات باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي كان ينتمي إليها.
ويعكس هذا المقتضى الدستوري حرص المشرّع على صون الإرادة الانتخابية للناخبين، ومنع تحويل المقعد البرلماني إلى أداة لإعادة التموضع الحزبي في منتصف الطريق. غير أن الانتقالات التي تحدث قبل الانتخابات – وهي محور الجدل الحالي – تبقى خارج هذا التأطير القانوني تماماً، ولا تشكل سوى إشكال سياسي وأخلاقي مرتبط أساساً بطريقة اشتغال الأحزاب وآليات اختيارها لمرشحيها، أكثر منه مخالفة قانونية بالمعنى الدقيق.
تكرار هذه التنقلات الحزبية المرتبطة بحسابات انتخابية بحتة ينعكس مباشرة على علاقة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي. فالناخب يجد نفسه أحياناً عاجزاً عن التمييز بين التصويت لصالح مشروع سياسي متكامل وواضح المعالم، وبين التصويت لصالح أشخاص أو شبكات انتخابية محلية لا تكف عن تبديل عناوينها الحزبية تبعاً لتغير الظرفية والمصلحة.
وهذا الوضع يُضعف بدوره وضوح العرض السياسي المطروح أمام الناخبين، ويمس جوهر الوظيفة التي يُفترض أن تؤديها الانتخابات كآلية ديمقراطية للاختيار بين برامج ورؤى متمايزة، لا كمجرد عملية تنقيب عن أسماء متنقلة باستمرار من حزب إلى آخر بحثاً عن أفضل فرصة للفوز.
حين يتحول الترحال الحزبي إلى سلوك موسمي متكرر قبيل كل استحقاق، فإنه يصيب في العمق جودة التمثيلية الديمقراطية أكثر مما يمس سلامة الانتخابات من الناحية القانونية البحتة. فالانتخابات قد تجرى وفق كل الشروط القانونية والتنظيمية المطلوبة دون أي خلل شكلي، لكن مصداقية التمثيل السياسي تبقى في نهاية المطاف رهينة بوجود رابط واضح ومستقر بين الناخب من جهة، والمرشح وحزبه وبرنامجه من جهة أخرى – وهو الرابط الذي يتآكل مع كل موجة ترحال جديدة.
ومعالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على مزيد من التشديد القانوني وحده، لأن جانباً كبيراً منها متجذر أصلاً في طبيعة البناء الحزبي نفسه. ويبقى المدخل الأكثر جدوى كامناً في تعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، واعتماد معايير واضحة وثابتة وشفافة في منح التزكيات، بما من شأنه أن يقلص من حاجة الفاعلين السياسيين إلى البحث عن ملاذات حزبية بديلة كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع.
















