غلاء المعيشة بالمغرب.. حين يتجاوز الحل منطق الزيادة في الأجور

هئية التحرير9 أغسطس 2026آخر تحديث :
غلاء المعيشة بالمغرب.. حين يتجاوز الحل منطق الزيادة في الأجور

 

حذر إدريس السنتيسي، العضو بحزب الاستقلال والرئيس السابق للفريق الحركي بمجلس النواب، من خطورة تنامي المضاربة ودور الوسطاء في التأثير على أسعار المواد الأساسية، داعيا إلى معالجة غلاء المعيشة عبر مقاربة مركبة تقوم على خلق فرص الشغل وإعادة النظر في تركيبة الأسعار والرسوم، بدل الاكتفاء بمنطق الزيادة في الأجور.

اعتبر السنتيسي، في تصريحات ببرنامج “ساعة الحساب” الذي تبثه منصات جريدة “مدار21″، أن مواجهة الغلاء تبدأ أساسا من “خلق فرص الشغل”، مشددا على أن التضخم وارتفاع الأسعار لا يمكن التعامل معهما فقط عبر رفع الأجور، بل يستلزمان توسيع قاعدة المشتغلين داخل الأسرة الواحدة وتحقيق عدالة مجالية أكبر في توزيع فرص العمل.

وربط المتحدث هذا الطرح بتحول عميق طرأ على النموذج الأسري المغربي؛ فبعدما كان دخل رب الأسرة كافيا في السابق لتغطية الحاجيات الأساسية، أصبحت الحاجة اليوم تفرض اشتغال الزوجين معا، وأحيانا أكثر من فرد داخل الأسرة الواحدة، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف السكن والمعيشة. وفي هذا السياق، انتقد السنتيسي ما وصفه ببطء وتيرة تشجيع المقاولات على خلق فرص الشغل، معتبرا أن العدالة المجالية في توزيع هذه الفرص لم تتحقق بالسرعة المطلوبة، وهو ما ساهم، حسب تعبيره، في استمرار الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على المواطنين.

توقف السنتيسي عند ملف تركيبة أسعار المحروقات، موضحا أن الضرائب، وفي مقدمتها الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، تشكل جزءا مهما من السعر النهائي الذي يؤديه المواطن. وكشف أن فريقه البرلماني سبق أن اقترح اعتماد آلية مرنة لتدبير الرسوم المفروضة على المحروقات، تقوم على رفعها حين تنخفض الأسعار الدولية للنفط، وخفضها حين ترتفع، بما يتيح الحفاظ على استقرار أكبر في الأسعار الداخلية.

غير أن الحكومة، بحسب السنتيسي، اختارت الإبقاء على الرسوم كما هي حفاظا على مستوى مداخيلها، وهو خيار ساهم، على حد تعبيره “من دون سوء نية”، في استمرار الغلاء، بالنظر إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، وبالتالي على أسعار عدد كبير من المواد والخدمات.

انتقل المتحدث إلى عامل ثانٍ اعتبره أساسيا في ارتفاع الأسعار، يتعلق بدور المضاربين والوسطاء داخل سلاسل توزيع المواد الغذائية، خصوصا الأسماك والخضروات. وأوضح أن قطاع السمك يعرف وجود وسطاء يشترون كميات كبيرة من المنتوج من مدن كالداخلة وأكادير وينقلونها نحو المدن الداخلية، فيما يقوم آخرون بشراء كميات كبيرة من المعروض في السوق لإعادة طرحه بالسعر الذي يحددونه هم أنفسهم.

وأشار إلى أن الوضع نفسه ينسحب على سوق الخضر، حيث يخلق تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك “إشكالا كبيرا” يساهم في رفع الأسعار. كما انتقد السنتيسي الرسوم المفروضة على مرور المنتجات عبر أسواق الجملة، والمحددة في نسبة 7 في المائة، معتبرا أنها تنعكس في نهاية المطاف على السعر الذي يؤديه المستهلك النهائي، وداعيا إلى مراجعتها بشكل يجعلها “صغيرة جدا أو منعدمة”.

وخلص السنتيسي إلى أن ارتفاع كلفة المحروقات واليد العاملة، إلى جانب الرسوم وتعدد الوسطاء، يضع المنتج أو التاجر أمام سلسلة متراكمة من التكاليف تنتهي بتحميلها للمستهلك في نهاية المطاف. واعتبر أن مواجهة الغلاء أصبحت اليوم قضية مركبة، لا يمكن حلها بمجرد رفع الأجور، بل تستدعي مقاربة شاملة تجمع بين خلق فرص الشغل، وإصلاح سلاسل التوزيع، ومراجعة تركيبة الأسعار والرسوم، إلى جانب اتخاذ إجراءات فعلية للحد من المضاربة.

تكشف هذه المقاربة عن تحول في طبيعة النقاش العمومي حول الغلاء بالمغرب، من مطلب مطلبي كلاسيكي (الزيادة في الأجور) نحو تشخيص بنيوي يربط بين ثلاثة عوامل متداخلة: هشاشة سوق الشغل وضعف العدالة المجالية، وثقل العبء الضريبي على المحروقات كمدخل غير مباشر للتضخم، وضعف تنظيم سلاسل التوزيع الذي يفسح المجال أمام المضاربة. وهو تشخيص يضع الكرة في ملعب السياسات العمومية أكثر مما يضعها في ملعب المفاوضات الاجتماعية الظرفية، ويطرح سؤالا جوهريا حول جاهزية الحكومة لمراجعة تركيبة الأسعار والرسوم، في وقت تبقى فيه هذه المراجعة، بحسب تصريحات السنتيسي نفسه، رهينة اعتبارات مرتبطة بالحفاظ على المداخيل العمومية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.