طانطان: سلّم أولويات مقلوب؟ مأوى للكلاب يتقدّم على ملفات التعليم والصحة والتشغيل

هئية التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
طانطان: سلّم أولويات مقلوب؟ مأوى للكلاب يتقدّم على ملفات التعليم والصحة والتشغيل

كشفت وثيقتان صادرتان مؤخراً عن المجلس الإقليمي لطانطان عن إطلاق مسطرتين لطلب عروض بشأن بونات الطلب رقم 7 و8 لسنة 2026، تتعلقان بإنجاز دراسة طوبوغرافية ودراسة جيوتقنية لإحداث “مركز لاستقبال وحماية الحيوانات” بمساحة إجمالية تناهز 15 ألف متر مربع، على أن يتم تسليم الدراستين في أجل لا يتجاوز عشرة أيام. ورغم أن المشروع يندرج ضمن مقاربة حديثة تتبناها عدة جماعات مغربية للتعامل مع ملف الحيوانات الشاردة، فإن الإعلان عن هذه الصفقات يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول سلّم الأولويات في التدبير العمومي المحلي، بإقليم يُصنَّف ضمن المناطق الأكثر هشاشة اجتماعياً واقتصادياً بجهة كلميم واد نون

تكشف تفاصيل دفتري التحملات عن حجم لافت للمشروع: دراسة جيوتقنية تشمل تحديد نوعية التأسيس وقدرة تحمل التربة على ست وحدات، ودراسة طوبوغرافية تشمل التصميم التصوري للأرض وتحديد المدارات الكنتورية والتصميم العقاري للوعاء، بما يوازي، من حيث المقاربة التقنية، مشاريع تجهيزية بنيوية كبرى. وإذا كان تنظيم التعامل مع الحيوانات الشاردة موضوعاً ذا بعد صحي وأمني بامتياز، فإن السؤال الذي يطرحه فاعلون محليون لا يتعلق بمشروعية الفكرة في حد ذاتها، بل بترتيبها ضمن سلّم أولويات إقليم لا يزال يعاني من عجز حاد في مرافق أساسية أكثر إلحاحاً.

يطرح كثير من سكان الإقليم، وخاصة الفئات الشابة، سؤالاً بسيطاً: ألا تستحق قضايا التعليم والصحة والسكن والتشغيل نفس الجدية والسرعة في التعامل التي حظي بها مشروع مركز الحيوانات؟

تراجع العرض التربوي والتكويني: أزمة أعمق من نقص التجهيزات

على مستوى التعليم، لا يقتصر الإشكال بإقليم طانطان على ضعف العرض التربوي والبيداغوجي فحسب، بل يتجاوزه إلى معطى أكثر خطورة يمس حتى التكوين المهني: إذ تؤكد مصادر محلية متعددة أن عدداً من الشعب والتخصصات بمعهد التكوين المهني بطانطان لم تعد متوفرة برسم الموسم الدراسي الحالي، ما يضطر التلاميذ والمتدربين وأسرهم إما إلى قبول توجيه خارج الإقليم، أو تحمّل أعباء إضافية للالتحاق بمؤسسات في مدن أخرى. وبالنتيجة، يتحول الحق في التكوين المهني الجيد، بدل أن يكون رافعة للإدماج، إلى عبء مادي ولوجستي إضافي يتحمله أضعف الأسر.

ويزداد هذا الإشكال تعقيداً في ظل غياب أي سياسة محلية لمواكبة التلاميذ المضطرين لمتابعة دراستهم خارج الإقليم، سواء عبر بدائل سكنية داخلية (الداخليات) أو دعم مادي مباشر. وهنا بالذات تبرز المقارنة مع إقليم أسا الزاك المجاور، الذي قدّم نموذجاً مغايراً تماماً في التعامل مع هذا الإشكال: إذ أطلق مجلسه الإقليمي مبادرة لدعم إقامة عدد من أبناء الإقليم وبناته لمتابعة تخصصات دراسية غير متوفرة محلياً بمدن أكادير ومراكش، مع تكفّل كامل بمصاريف دراستهم وإقامتهم. وتُترجم هذه المبادرة، ذات البعد الاجتماعي الواضح، وعياً باعتبار العنصر البشري استثماراً استراتيجياً، لا مجرد بند مصاريف ثانوي في ميزانية المجلس.

يضاف إلى ذلك أن غياب تكوينات ذات جودة كافية بمعهد التكوين المهني بطانطان يُضعف فرص إدماج الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها المنقطعون عن الدراسة في السلكين الإعدادي والتأهيلي، والذين تتباعد أصلاً عن أماكن سكنهم المؤسسات التعليمية المتاحة. فحين يغيب التكوين المهني كمسار بديل جاد، يفقد هؤلاء الشباب فرصتهم الثانية للاندماج المهني والاجتماعي.

وعلى مستوى الصحة، يظل إقليم طانطان من بين المناطق التي تعاني ضعفاً في جاذبية الأطر الطبية والتمريضية، ما يطرح سؤال التعويضات والحوافز الخاصة بالمناطق النائية كوسيلة لتثبيت الموارد البشرية الصحية، أسوة بتجارب دول أخرى اعتمدت سياسات تحفيزية واضحة (سكن وظيفي، تعويضات عن العزلة، أولوية في الترقي) لضمان استقرار الأطباء والممرضين بالمناطق الحدودية والنائية.

وهنا أيضاً يقدّم أسا الزاك مثالاً معاكساً: إذ جدّد مجلسه الإقليمي شراكته مع المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة وجمعية “صديقي المسعف” لدعم الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين بالإقليم. وهي مقاربة قطاعية تتكرر أيضاً في أقاليم مجاورة أخرى بالجهة: طاطا التي صادق مجلسها الإقليمي مؤخراً على حزمة اتفاقيات تشمل قوافل طبية متنقلة ودعم دار الأمومة، وتيزنيت التي جعلت التعليم والصحة والبنيات التحتية محاور رئيسية في إحدى دوراتها. وبذلك يتضح أن الفارق بين طانطان وجيرانها ليس فارقاً في حجم الإمكانات المتاحة بقدر ما هو فارق في الإرادة السياسية والانخراط المؤسساتي في هذه الملفات.

أما على مستوى البنية التحتية — من طرقات ومرافق رياضية ومساحات خضراء — فلا يزال يُسجَّل غياب شبه تام لسياسة ترابية واضحة لتجديد وصيانة الطرقات من طرف المجالس المنتخبة المتعاقبة، في ظل غياب رؤية استراتيجية من المجلس الإقليمي بخصوص هذا الملف تحديداً. ويبقى هذا الغياب لافتاً بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين جودة البنية التحتية وجاذبية الإقليم لموارده البشرية المؤهلة في التعليم والصحة على حد سواء، كما سيأتي لاحقاً.

من الإنصاف، في المقابل، تسجيل نقطة إيجابية لفائدة المجلس الإقليمي لطانطان، يتمثل في اهتمامه اللافت بدعم الفرق والجمعيات الرياضية المحلية، خصوصاً في كرة القدم وكرة السلة. غير أن هذا الدعم، وإن كان مشروعاً ومحموداً في ذاته، يظل غير كافٍ لتعويض غياب مقاربة قطاعية موازية في التعليم والصحة، أي القطاعين الأكثر ارتباطاً بحياة الساكنة اليومية وبمستقبل أجيالها القادمة.

يرتبط هذا النقاش بإشكالية أعمق تخص جاذبية الإقليم عموماً: فضعف البنية التحتية يُعد أحد العوامل التي تُضعف قدرة طانطان على الاحتفاظ بمواردها البشرية المؤهلة، سواء في التعليم أو الصحة أو باقي القطاعات، ويغذي بذلك دينامية الهجرة نحو المدن الكبرى. وبناءً على ذلك، فإن غياب مقاربة استباقية مماثلة لتلك المعتمدة في أقاليم أخرى بالجهة يصبح أكثر إلحاحاً، لا أقل.

السؤال الجوهري: أي هوية تنموية لإقليم طانطان؟

غير أن النقاش حول ترتيب الأولويات القطاعية، على أهميته، يبقى ناقصاً ما لم يُربط بسؤال أعمق وأكثر بنيوية: ما هي الهوية التنموية التي تنسجم فعلاً مع مؤهلات إقليم طانطان؟ فبدون تحديد واضح لهذه الهوية، يظل التدبير الترابي أسير قرارات متفرقة، تفتقر إلى رؤية استراتيجية شاملة تربط بين المشاريع القطاعية (تعليم، صحة، بنية تحتية) وبين محرك تنموي واضح يوجّهها ويمنحها معنى مشتركاً.

فالإقليم يتوفر، على الأقل نظرياً، على عدة مسارات ممكنة: اقتصاد بحري يستثمر الواجهة الساحلية الممتدة وموارد الصيد؛ اقتصاد سياحي يستثمر الموقع الصحراوي الساحلي والتراث الحساني؛ اقتصاد اجتماعي وتضامني يستجيب لخصوصية النسيج الجمعوي والتعاوني المحلي؛ أو اعتبار الإقليم منطقة عبور استراتيجية تربط شمال المملكة بجنوبها، بما يحمله ذلك من فرص لوجستية وتجارية. ويُضاف إلى هذه المسارات البعد الأمني والعسكري، حيث تحتضن جماعة الوطية بشكل متكرر مناورات “الأسد الإفريقي” (African Lion) المشتركة، وهو ما يفتح إمكانية التفكير في إحداث وحدات عسكرية متطورة كرافعة اقتصادية إضافية للإقليم، أسوة بمناطق أخرى تستفيد من الأنشطة العسكرية كمحرك للتشغيل والخدمات المرتبطة بها.

وفي المقابل، يبقى مشروع المنطقة الصناعية بالإقليم مثالاً دالاً على هذا الغموض في تحديد الهوية التنموية: فرغم الإعلان عنه منذ سنوات كرافعة لجلب الاستثمار وتشجيع التوطين الصناعي وخلق فرص الشغل، لم يرَ المشروع النور بعد بجماعة الوطية، ما يطرح سؤالاً مباشراً حول مدى الإرادة الفعلية لدى الفاعلين الترابيين ومستوى التنسيق المؤسساتي اللازم لتفعيله. فبدون منطقة صناعية فعلية على أرض الواقع، تبقى إمكانية جلب المستثمرين وتشجيع الاستقرار السكاني وتوطين الكفاءات المحلية رهينة الخطاب أكثر منها واقعاً ملموساً

بين مشروعية الفكرة وترتيب الأولويات

لا يقصد هذا الطرح التشكيك في جدوى تنظيم ملف الحيوانات الشاردة، الذي يبقى موضوعاً صحياً وأمنياً مشروعاً تعرفه عدة مدن مغربية. لكن السؤال المطروح يتعلق بمعايير ترتيب الأولويات في برمجة المشاريع الإقليمية: هل خضع اختيار توقيت وحجم هذا المشروع لدراسة مقارنة مع باقي الاحتياجات الملحة للساكنة؟ وهل تتوفر هيئات التخطيط المحلي بطانطان على تصور استراتيجي واضح يوازن بين مختلف القطاعات، ويحدد بجلاء الهوية التنموية التي ينبغي أن تُبنى عليها باقي الاختيارات، على غرار ما هو معمول به في أقاليم أخرى بالجهة؟

إن إقليماً كطانطان، بخصوصياته الاجتماعية والجغرافية والحدودية، يحتاج إذن إلى أمرين متلازمين لا ينفصلان: من جهة، إرادة حقيقية وشفافة في تدبير الأولويات القطاعية اليومية (تعليم، صحة، سكن، بنية تحتية)؛ ومن جهة أخرى، رؤية استراتيجية واضحة تحسم في الهوية التنموية الكبرى للإقليم، حتى لا تظل المشاريع الهيكلية لرفع من جاذبية الاقليم من ( بنية تحتية.التعليم ذي جودة.اولوية الصحة.منشأت..) ، كالمنطقة الصناعية، حبيسة الإعلان دون التنفيذ، بينما تُصرف الموارد المتاحة على أولويات ثانوية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.