هدارة.. حكاية صحراوية مغربية تقاوم محاولات التسييس

هئية التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
هدارة.. حكاية صحراوية مغربية تقاوم محاولات التسييس

“هدارة” مغربية الهوية والمسار: قراءة في محاولات تسييس تراث صحراوي أصيل
يعود اسم “هدارة”، طفل النعام الذي تحولت قصته الواقعية إلى مادة أدبية وسينمائية عالمية، إلى الواجهة مجدداً مع خروج الفيلم الفرنسي “L’Enfant du désert” إلى دور العرض، لكن هذه العودة رافقتها محاولات من بعض الأصوات الإعلامية الجزائرية لتأطير القصة ضمن سردية “السطو على التراث”، في وقت تكشف فيه الوقائع التاريخية والجغرافية والفنية أن هذه المحاولة تفتقر لأساس علمي متماسك.
الوقائع تتحدث: هدارة نشأ وعاش في الصحراء المغربية
قبل الدخول في أي جدل سياسي، تبقى الحقيقة الأولى هي الأهم: الروايات التوثيقية الأكثر اعتماداً حول قصة هدارة، بما فيها بحث الكاتبة السويدية مونيكا زاك الذي التقت خلاله بابنه أحمدو ووثّق سيرة والده، تؤكد أن الرجل عاش ودُفن في منطقة تقع ضمن المجال الحدودي بين المغرب والجزائر، أي في قلب الفضاء الصحراوي المغربي بمفهومه التاريخي والجغرافي الممتد. وهذا ما يجعل الفيلم المغربي الوثائقي “Haddara” الصادر سنة 2023 سبّاقاً فعلياً في تناول هذه السيرة، إذ قدّمها بوصفها حكاية طفل نشأ بين النعام في الصحراء المغربية، قبل أن يتناول الفيلم الفرنسي الجديد القصة ذاتها من زاوية سينمائية مغايرة، مستعيناً بورزازات، المدينة المغربية التي راكمت خبرة عالمية في احتضان الإنتاجات السينمائية الكبرى، كموقع للتصوير — وهو اختيار فني لم يأتِ من فراغ، بل يعكس اعترافاً ضمنياً بالهوية المكانية للقصة وارتباطها بالتراب المغربي.
محاولة التسييس تصطدم بمنطقها الداخلي
أما محاولة بعض الخطابات الإعلامية الجزائرية ربط سيرة هدارة وأبنائه بما تسميه “ثورة الصحراء”، فتصطدم بمفارقة تكشف هشاشة هذا الطرح من داخله: فالجزائر نفسها لا تتعامل رسمياً مع سكان مخيمات تندوف، حيث أقام أحد أبناء هدارة لاحقاً، باعتبارهم مواطنين جزائريين، بل تصنّفهم رسمياً كلاجئين صحراويين. وهذا التناقض يعني أن الخطاب الذي يحاول اليوم “تجزئر” هدارة وأبناءه لا يجد سنداً حتى في الموقف الرسمي الجزائري ذاته تجاه هذه الفئة من السكان، ما يفرغ محاولة الاحتكار الإعلامي من أي مضمون قانوني أو سياسي متماسك.
كما أن منطق “الجنسية بالإقامة اللاحقة”، الذي تستند إليه هذه المحاولة، لو طُبّق بشكل متسق، لكان يعني أن أبناء هدارة الذين عاشوا بالمغرب وموريتانيا هم أيضاً جزء من الهوية المغربية والموريتانية بنفس القدر الذي يُراد فيه إلحاق مقيم تندوف بالهوية الجزائرية. وهو ما يكشف أن التوظيف هنا انتقائي بامتياز: يُستحضر معيار الإقامة حين يخدم سردية بعينها، ويُهمل حين يفندها.
التراث الصحراوي: أصالة مغربية بامتداد إنساني، لا غنيمة إعلامية
إن قصة هدارة، في جوهرها، هي جزء أصيل من التراث الشفهي الصحراوي المغربي، الذي عاش في مجاله الجغرافي والثقافي التاريخي قبل أن يتحول، كأي تراث إنساني عظيم، إلى مادة تستلهم منها أعمال أدبية وسينمائية متعددة عبر العالم. ولا يُقلّل هذا الانتشار العالمي من هويتها المغربية الأصلية، تماماً كما أن اقتباس أي عمل أدبي أو سينمائي عالمي لحكاية من تراث بلد ما لا يُسقط عن تلك الحكاية جذورها الأصلية.
وبدل الانجرار وراء سجال هوياتي عقيم يحاول انتزاع هذا الإرث من سياقه التاريخي والجغرافي الحقيقي، يبقى الأجدر بالخطاب الإعلامي الجاد — مغربياً وغير مغربي — الاحتفاء بكون هذه القصة الصحراوية المغربية استطاعت أن تفرض حضورها على الساحة السينمائية العالمية، من ورزازات إلى الإنتاجات الفرنسية الكبرى، بوصفها شاهداً إضافياً على غنى التراث الثقافي المغربي وقدرته على التصدير والانتشار، بمعزل عن أي توظيف سياسي ظرفي يسعى لتحويل حكاية إنسانية مؤثرة إلى ورقة في سجال إقليمي لا علاقة له بجوهرها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.