سبتة ومليلية.. عندما تتحول الهجرة إلى اختبار للمغرب وإسبانيا وحقوق الإنسان
بين حماية الحدود وصون الحق في الحياة.. ماذا تكشف أحداث يوليوز وغشت 2026 عن تدبير المغرب وإسبانيا لأزمة الهجرة؟
لم تعد أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية خلال أواخر يوليوز ومنتصف غشت 2026 مجرد واقعة أمنية مرتبطة بمحاولات اقتحام الحدود. فوفق التقرير الحقوقي للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، فإن ما جرى كشف عن أزمة مركبة تتداخل فيها الهجرة غير النظامية مع الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، والتضليل الرقمي، وشبكات الاتجار بالبشر، والسياسات الأوروبية المتعلقة بتدبير الحدود.
التقرير، الذي اعتمد على الرصد الميداني وجمع المعطيات والتواصل مع الجهات المعنية، يضع الواقعة في إطار أوسع: أزمة تختبر قدرة الدول على حماية حدودها من جهة، واحترام الحق في الحياة والكرامة الإنسانية من جهة أخرى.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسألة قابلة للاختزال في سؤال: من نجح في منع العبور؟ بل في سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن منع العبور غير النظامي دون أن تتحول الحدود إلى فضاء لانتهاك الحقوق الأساسية؟
أرقام متضاربة.. وحق العائلات في الحقيقة
يسجل التقرير وجود تفاوت كبير في أعداد الوفيات؛ إذ أشار إلى نحو 100 وفاة غرقاً وفق السلطات الإسبانية، مقابل نحو 14 وفاة وفق المعطيات المغربية المتاحة عند إعداد التقرير، فضلاً عن مفقودين ومجهولي المصير.
وبعيداً عن الجدل حول الرقم الأكثر دقة، فإن جوهر المسألة إنساني قبل أن يكون إحصائياً.
فوجود هذا التفاوت، إلى جانب استمرار البحث عن مفقودين، يفرض ـ كما أوصى التقرير ـ تنسيقاً مغربياً إسبانياً فعالاً لتبادل المعطيات، والتعرف على الجثامين، وتحديد هوية الضحايا، وتمكين الأسر من معرفة مصير أبنائها.
فالعائلات لا تحتاج إلى أرقام متضاربة، بل إلى معلومات دقيقة، وهوية مؤكدة، ومصير واضح، ومسؤولية محددة عندما يتعلق الأمر بوفاة أو إصابة أو انتهاك محتمل.
المغرب.. بين واجب حماية الحدود والالتزام بالضمانات الحقوقية
يقر التقرير بأن السلطات المغربية تدخلت لمنع محاولات العبور، وأبعدت مئات المرشحين للهجرة من المناطق المحيطة بسبتة، كما تصدت لمحاولات جديدة في 15 غشت.
وفي تلك العملية، سجل التقرير توقيف 294 شخصاً، بينهم 248 من دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مغربياً، كما أشار إلى اعتماد الحوار مع عدد من الراغبين في العبور، ما ساهم في ثنيهم عن المحاولة.
هذه المعطيات تؤكد أن المقاربة المغربية لم تكن أمنية صرفة في جميع الحالات؛ فقد حضر فيها أيضاً عنصر الحوار والوقاية.
لكن التقرير يطرح في المقابل أسئلة جدية بشأن أسلوب التدخل.
فقد أشار إلى تداول تسجيلات مصورة تتحدث عن استعمال القوة، ودعا إلى التحقيق في مدى احترام مبدئي الضرورة والتناسب. كما سجل إشكالات مرتبطة بالمحاكمات وحقوق الدفاع، خصوصاً في ظل غياب هيئة الدفاع خلال عدد من الجلسات، وفق ما أورده التقرير.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش متوازناً.
حماية الحدود حق سيادي للدولة، لكن ممارسة هذا الحق تظل مقيدة بالقانون.
وفي الاتجاه المقابل، فإن احترام حقوق المهاجرين لا يعني تجاهل أعمال العنف والتخريب أو الاعتداء على القوات العمومية، وهي وقائع سجل التقرير أيضاً حدوثها خلال بعض محاولات العبور.
المعادلة إذن ليست: أمن مقابل حقوق الإنسان.
بل هي: أمنٌ يخضع للقانون، وحقوقٌ لا تعني إلغاء مسؤولية الفرد عن أفعاله.
سبتة.. عندما تنتقل الأزمة إلى الجانب الآخر من الحدود
إذا كان المغرب يواجه الضغط الأساسي قبل الوصول إلى الحدود، فإن الوضع يتخذ شكلاً مختلفاً داخل سبتة.
فخلال زيارة ميدانية في 8 غشت، قالت المنظمة إنها عاينت وضعاً إنسانياً واجتماعياً صعباً، تميز بنقص في الغذاء والماء، وصعوبات في الإيواء، واضطرار بعض الوافدين إلى المبيت في الشوارع أو في فضاءات مكتظة.
ويشير التقرير إلى أن جزءاً من المساعدة الإنسانية كان يأتي من جمعيات وفعاليات مدنية وسكان محليين، من بينهم أشخاص وفروا الغذاء أو فتحوا فضاءات لإيواء النساء والأطفال.
لكن الاعتماد على المبادرات التطوعية لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن المسؤولية المؤسساتية.
ويكتسب الأمر حساسية أكبر عندما يتعلق بالأطفال والقاصرين غير المرفقين والنساء والفتيات، إضافة إلى الأشخاص الذين يعانون من أوضاع صحية أو نفسية صعبة. وهي فئات حددها التقرير باعتبارها الأكثر حاجة إلى الحماية.
الاعتداءات المزعومة.. بين خطورة الادعاء وضرورة التحقيق
من أكثر الملفات حساسية ما أورده التقرير بشأن الاعتداءات، ولا سيما الاعتداءات ذات الطابع الجنسي.
فالتقرير يشير إلى خمس حالات معلنة رسمياً، ثم إلى 12 حالة وفق الإعلام المحلي، بينما تحدثت شهادات جمعتها المنظمة عن 30 حالة محتملة، مع تأكيد صريح بأن هذا الرقم الأخير لم يتم التحقق منه.
لكن عدم التحقق من الرقم لا يعني تجاهل الادعاءات.
فالطريق المهني الوحيد هو فتح تحقيق نزيه ومستقل، والاستماع إلى الضحايا، وحماية النساء والقاصرات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
وهذا ما أوصى به التقرير صراحة بالنسبة إلى ادعاءات العنف والاعتداءات، إلى جانب الدعوة إلى توفير الرعاية الصحية والنفسية والحماية للفئات الهشة.
عندما تدخل السياسة والعنصرية على خط الأزمة
لم تتوقف تداعيات الأحداث عند الجانب الإنساني والأمني.
فالتقرير يرصد أيضاً حضور خطاب يميني متطرف داخل سبتة، ويشير إلى تحركات وخطابات اعتبرها ذات طابع عنصري وتمييزي تجاه المهاجرين، مع دعوة إلى وقف الخطابات التي تغذي الكراهية والتمييز.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
من حق أي مجتمع أن يناقش سياسات الهجرة وأمن الحدود.
لكن تحويل المهاجرين إلى كتلة بشرية مستهدفة بالتحريض والكراهية يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة، ويزيد من هشاشة أشخاص يوجدون أصلاً في وضعية غير مستقرة.
ربما يكون أهم ما يطرحه التقرير هو أن تفسير ما حدث من خلال العامل الأمني وحده يبقى ناقصاً.
فالتقرير يربط موجة العبور بعوامل متعددة، من بينها الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية، وانتشار مقاطع الفيديو والحسابات التي تشجع على العبور، إضافة إلى معلومات مضللة حول إمكانية التسوية القانونية بعد الوصول إلى إسبانيا.
كما يضع الظاهرة في سياق أوسع يرتبط بتشديد السياسات الأوروبية بشأن الهجرة، وأمننة الحدود، والضغط على دول جنوب المتوسط للقيام بدور أكبر في ضبط التدفقات.
وهنا تظهر حدود المقاربة الأمنية.
فإذا كان إغلاق طريق معين يؤدي إلى فتح طريق آخر أكثر خطورة، فإن معالجة الهجرة تحتاج إلى ما هو أبعد من الحواجز والمراقبة.
تحتاج إلى معالجة الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم، وإلى الحد من التضليل الرقمي، وإلى توفير بدائل قانونية وآمنة، وإلى سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر فعالية.
المغرب وإسبانيا.. مسؤولية مشتركة ولكن ليست متطابقة
ليس المطلوب تحميل المغرب وإسبانيا المسؤولية نفسها عن كل ما حدث.
لكل دولة موقعها ومسؤولياتها.
المغرب مسؤول عن كيفية تدبير الحدود فوق ترابه، وعن احترام القانون والضمانات الأساسية أثناء عمليات المنع والتوقيف، وعن حماية الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة.
وإسبانيا مسؤولة، من جهتها، عن ضمان شروط الاستقبال والحماية داخل المجال الخاضع لإدارتها، خصوصاً بالنسبة للأطفال والنساء والقاصرين غير المرفقين، وعن التحقيق في أي ادعاءات بانتهاكات تقع داخل هذا المجال.
لكن هناك مسؤولية مشتركة أيضاً.
فالتقرير يدعو البلدين إلى التعاون في الإنقاذ، وتبادل المعلومات، وتحديد هويات الضحايا، وملاحقة شبكات الاتجار بالبشر، وضمان الحقوق القانونية للأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية، والتحقيق في حالات الوفاة أو الإصابة أو الانتهاكات المزعومة.
الاستنتاج المركزي للتقرير واضح: الهجرة ظاهرة تاريخية لا يمكن الحد منها بالمقاربات الأمنية الضيقة أو بالإجراءات الانتقامية وحدها.
ولهذا يدعو إلى مقاربة تجمع بين الحقوق والتنمية والبعد الاجتماعي والاقتصادي، مع تعزيز التعليم والتشغيل والعدالة الاجتماعية والمجالية، ووضع برامج تنموية تستهدف خصوصاً الشباب والنساء في المناطق المتأثرة بالظاهرة.
قد يتغير المكان، وقد يتغير الطريق، وقد تتغير وسيلة العبور، لكن الدافع نفسه سيبقى قائماً إذا ظلت الهشاشة وانسداد الأفق والتضليل الرقمي وشبكات التهريب موجودة.
في خلاصته، يعتبر التقرير أن أحداث سبتة ومليلية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى احترام مختلف الأطراف لمبادئ حقوق الإنسان في تدبير الهجرة. ويؤكد أن حماية الحق في الحياة والكرامة، وضمان حقوق الأطفال والنساء والشباب، والولوج إلى العدالة، ينبغي أن تكون جزءاً من أي معالجة مستدامة للظاهرة.
لا يمكن للمغرب أن يتعامل مع حماية الحدود باعتبارها إعفاءً من المسؤولية الحقوقية، كما لا يمكن لإسبانيا أن تتعامل مع حماية حدودها باعتبارها إعفاءً من مسؤولية حماية من يوجد داخل مجالها.
















