في غضون أقل من خمسة عشر أسبوعاً، شهد النظام الدولي سلسلة زلازل جيوسياسية لم يسبق أن اجتمعت بهذه الكثافة والتوالي منذ عقود. بدأت بسقوط نظام بشار الأسد في دمشق في ديسمبر 2024، ثم اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير 2026 خلال عملية عسكرية أمريكية مباغتة، وبلغت ذروتها الدرامية بما وقع في الثامن والعشرين من فبراير 2026، حين استُهدفت مواقع متعددة في إيران بقصف صاروخي أمريكي إسرائيلي، ليُعلَن في صباح الأول من مارس عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي.
ما يجمع هذه الأحداث المتسارعة ليس الصدفة، بل يكشف عن نهاية منظومة إقليمية وعقيدة سياسية ظلت تُشكّل الشرق الأوسط وامتداداته لأكثر من أربعة عقود.
شكّل النظام الإيراني منذ ثورة 1979 محوراً مرجعياً لكل حركات “تصدير الثورة” في المنطقة، غير أن ما جرى فجر الثامن والعشرين من فبراير كان استثنائياً حتى بمقاييس الحروب الكبرى. كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانت ترصد خامنئي لأشهر، وأنها توصلت إلى أن اجتماعاً سيُعقد بحضور كبار المسؤولين الإيرانيين في مجمع مرتبط به بوسط طهران. وفي تلك اللحظة التي وصفها مسؤولون إسرائيليون بأنها “فريدة من نوعها”، شنّت الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية الهجوم في وضح النهار، وأسقطت الطائرات الإسرائيلية ثلاثين قنبلة على مجمع خامنئي تاركةً إياه محترقاً ومدمراً.
تأكدت خسائر إيران لتشمل إلى جانب المرشد: قائد الحرس الثوري محمد باكبور، ومستشار المرشد علي شمخاني، ورئيس هيئة الأركان العامة عبدالرحيم موسوي، ووزير الدفاع عزيز نصيرزاده. وبهذه الضربة الواحدة، فُكّك قلب المنظومة القيادية التي بنت نفوذ طهران الإقليمي على مدى عقود.
فنزويلا: سقوط الرئة الاقتصادية للمحور
قبل أسابيع من الضربة الإيرانية، كانت واشنطن قد أنجزت فصلاً لا يقل دراماتيكية. اقتادت القوات الأمريكية الرئيسَ الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من غرفة نومهما في عملية مداهمة منتصف الليل، دون وقوع أي ضحايا في صفوف القوات الأمريكية. (CNN)
ما يجعل هذا الاعتقال ضربة مضاعفة هو تزامنه مع تصعيد أمريكي سابق ضد شبكات تسليح إيران، إذ استهدفت عقوبات أواخر ديسمبر 2025 خط إنتاج المسيّرات بين طهران وكاراكاس. فعلى مدار عقدين، تطورت العلاقة بين كاراكاس وطهران من تقارب أيديولوجي إلى شراكة تشغيلية عابرة للقارات، تتضمن مجالات الطاقة والدفاع والمسيّرات، قبل أن تنتهي بمشهد مادورو مكبّل الأصفاد على طريق نيويورك.
سوريا: الجسر الذي انهار أولاً
لم يكن سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 مجرد تغيير في السلطة، بل كان الكشف الأوّل عن هشاشة بنية “العمق الاستراتيجي” الإيراني. فسوريا كانت الممر الجغرافي الذي يربط طهران بذراعها في لبنان، وعندما انهار هذا الممر، بدأ التفكك الشامل للمنظومة.
الجزائر: الحلقة الأخيرة في سلسلة الانغلاق
في خضم هذا الانهيار المتسارع للأنظمة التي راهنت على “القوة الصلبة” والميليشيات بديلاً عن بناء الدولة، يبدو النظام الجزائري كحلقة تأخرت في استيعاب درس التاريخ.
فالجزائر التي دأبت على تقديم نفسها وسيطاً إقليمياً ومنبراً للحوار، وجدت نفسها في عزلة دبلوماسية متصاعدة في الساحل الأفريقي. ففي يناير 2024، أعلنت مالي قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجزائر، متهمةً إياها بالتواصل مع جماعات مسلحة شمالية. وانضمت النيجر وبوركينا فاسو إلى هذا المسار الانفصالي، مشكّلةً “تحالف الساحل” الجديد بعيداً عن المنظومة الإقليمية التي ظلت الجزائر ترى نفسها ركيزتها.
وعلى محور الصحراء المغربية، لا تزال الجزائر تُموّل جبهة البوليساريو سياسياً وعسكرياً ومالياً، في حين يتآكل هذا الملف دبلوماسياً بعد اعتراف قوى كبرى متعاقبة بمقترحات الحكم الذاتي المغربية. وقد رصدت تقارير غربية وجود علاقات بين بيئة مخيمات تندوف وشبكات تدريب مسلحة مرتبطة بإيران، وهو ما اعتبره المغرب تهديداً مباشراً لأمنه القومي.
الجزائر والبوليساريو.. تحالف يُثقل كاهل الدولة
لا يُشكّل دعم الجزائر لجبهة البوليساريو سرّاً دبلوماسياً، إذ تُقرّ الجزائر علناً بتقديمها الدعم السياسي والإنساني لسكان مخيمات تندوف، غير أن الجدل يتمحور حول طبيعة ومدى هذا الدعم وتداعياته على استقرار المنطقة.
فمنذ عام 1975، تستضيف الجزائر عشرات الآلاف من اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف، وتُموّل ميزانية جبهة البوليساريو بشكل شبه كامل، وتُمثّلها دبلوماسياً في المحافل الدولية. وقد رصدت تقارير عسكرية غربية، من بينها تقارير مراكز بحثية أوروبية متخصصة في أمن الساحل، وجود تدريبات عسكرية في محيط المخيمات تتجاوز الطابع الدفاعي البحت.
في المقابل، يرى المغرب أن هذا الدعم تحوّل من مساندة إنسانية إلى أداة جيوسياسية تُعيق أي تسوية سلمية، لا سيما بعد أن أحرزت مقترحات الحكم الذاتي المغربية اعترافاً دولياً متنامياً من القوى الكبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا.
الساحل الأفريقي.. عزلة دبلوماسية بامتياز
ما كانت تُقدّمه الجزائر باعتباره دوراً وساطياً في منطقة الساحل، بات ينظر إليه بعين الريبة من قِبَل دول الجوار. فمنذ موجة الانقلابات التي اجتاحت المنطقة بين عامَي 2021 و2023، أعادت كلٌّ من مالي والنيجر وبوركينا فاسو رسم تحالفاتها الإقليمية بعيداً عن الجزائر.
وقد تجلّت حدة هذا التوتر في قطع مالي علاقاتها الدبلوماسية مع الجزائر في يناير 2024، مُتّهمةً إياها بالتدخل في شؤونها الداخلية والتواصل مع جماعات مسلحة شمالية في إطار ما وصفته باماكو بـ”السياسة الانتهازية”. وقد انضمت النيجر لاحقاً إلى هذا التوجه بتبنّيها خطاباً أكثر حدةً تجاه الجزائر.
أما على صعيد تحالف دول الساحل الجديد “AES”، فقد اختارت هذه الدول مسار الانفصال التام عن المنظومة الإقليمية التقليدية، بما يشمل تجميد دور الجزائر كوسيط، وهو دور كانت تعتزّ به الجزائر وتُقدّمه ركيزةً لحضورها القاري.
















