كيف غيرت إسبانيا رؤيتها لملف الصحراء في ظل متطلبات الاستقرار في غرب المتوسط؟

هئية التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
كيف غيرت إسبانيا رؤيتها لملف الصحراء في ظل متطلبات الاستقرار في غرب المتوسط؟

 

لم يعد الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية مجرد محطة في سجل العلاقات الثنائية، بل بات يُقرأ اليوم كمؤشر على تحول استراتيجي عميق في فلسفة مدريد تجاه جوارها الجنوبي. فالملف الذي ظل لعقود رهين إرث استعماري وحسابات دبلوماسية حذرة، يُعاد تموضعه الآن ضمن منظومة أوسع، تقوم على إعادة صياغة العلاقة المغربية الإسبانية كشراكة استراتيجية وظيفية، تتجاوز منطق إدارة الخلافات إلى منطق البناء المشترك للاستقرار في غرب المتوسط.

تكشف معطيات نقلتها صحيفة “لا بروبينسيا” الإسبانية أن هذا التحول لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل نتاج مسار تدرّج على مدى سنوات قبل أن يتبلور بوضوح سنة 2022، حين أعلنت مدريد تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها الحل “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” للنزاع الإقليمي. وقد تكرّس هذا الموقف رسميا في الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل من العام نفسه، قبل أن يعاد التأكيد عليه أمام البرلمان الإسباني من قبل رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بصيغة لم تترك مجالا للالتباس، ثم يتعزز مجددا خلال سنة 2025 عبر سلسلة من اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى.

يمكن قراءة هذا التحول باعتباره انتقالا نوعيا من مرحلة “الحياد الحذر”، التي طبعت الموقف الإسباني تاريخيا، إلى مرحلة “الواقعية السياسية”، حيث لم تعد مدريد تكتفي بإدارة التوازنات التقليدية بين الأطراف، بل اختارت الانحياز إلى الخيار الذي تراه الأقرب إلى التطبيق والأكثر انسجاما مع منطق الاستقرار الإقليمي. ويتقاطع هذا المسار مع الدينامية الدولية التي عززتها قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، والذي منح هذا التوجه غطاء أمميا إضافيا.

تعكس الأرقام عمق الانخراط الاقتصادي بين البلدين؛ إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين المغرب وإسبانيا 22.5 مليار يورو خلال سنة 2024، مع نمو في الصادرات الإسبانية نحو السوق المغربية بنسبة قاربت 6 بالمائة، وفائض تجاري لصالح إسبانيا ناهز 3 مليارات يورو. وهي مؤشرات تفيد بأن العلاقة الاقتصادية بين البلدين تجاوزت منطق التبادل التقليدي لتدخل في طور التكامل الفعلي بين اقتصادين متجاورين ومتداخلي المصالح.

البعد الإنساني: نسيج اجتماعي يتجاوز السياسة

يبقى البعد الإنساني أحد أهم ركائز هذه العلاقة، في ظل وجود جالية مغربية واسعة داخل إسبانيا، حيث حصل أكثر من 42 ألف مغربي على الجنسية الإسبانية خلال سنة 2024 وحدها. رقم يعكس عمق الارتباط الاجتماعي بين الشعبين، ويحوّل العلاقة الثنائية إلى نسيج إنساني مشترك يتجاوز حسابات السياسة

على المستوى الأمني، بلغ التنسيق بين البلدين مستويات متقدمة، لا سيما في مجالات مكافحة الإرهاب والتطرف والهجرة غير النظامية، وهو ما تأكد خلال اجتماع وزاري عُقد بمدريد في فبراير 2025 جمع وزارتي الداخلية في البلدين، استعدادا أيضا لاستحقاقات دولية كبرى من بينها التنظيم المشترك لكأس العالم 2030.

يعكس هذا المسار، بحسب قراءة الصحيفة الإسبانية، إدراكا متناميا داخل دوائر القرار في مدريد لمكانة المغرب كشريك استراتيجي لا غنى عنه في معالجة ملفات الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الفضاء البحري في غرب المتوسط — وهي عناصر تجعل من التقارب حول قضية الصحراء أكثر من موقف دبلوماسي ظرفي، بل خيارا استراتيجيا بنيويا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل