استقبل الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الخميس، بالقصر الرئاسي في نواكشوط، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستافان دي ميستورا، في محطة تُتوِّج جولة إقليمية مكثفة قادت الدبلوماسي الأممي المخضرم إلى عواصم ومخيمات كل الأطراف المعنية بالنزاع، وسط مؤشرات جدية على أن ملف الصحراء يدخل منعطفاً دبلوماسياً غير مسبوق منذ سنوات.
لا يمكن قراءة هذه الجولة الأممية بمعزل عن التحرك الأمريكي المتصاعد. فقبل أيام، جمع دي ميستورا بالمبعوث الأمريكي الخاص مسعد بولس لقاء وُصفت نتائجه بـ”الزخم الحقيقي” القابل للبناء عليه. وقد برز خلال الأيام الأخيرة تحرك أمريكي متزايد عبر تصريحات ولقاءات مسعد بولس مع دي ميستورا، حيث أكد المسؤول الأمريكي على ضرورة تسريع وتيرة الحل السياسي، مع التشديد على أهمية تفعيل مخرجات قرار مجلس الأمن رقم 2797، والدعوة إلى مناقشات بحسن نية ودون تأخير بين الأطراف المعنية.
جاب دي ميستورا في غضون أيام معدودة كل الأطراف المعنية بالنزاع، من المغرب مروراً بمخيمات تندوف والجزائر وصولاً إلى نواكشوط. غير أن المتأمل في مخرجات هذه الجولة يدرك أن موازين القوى لا تحتاج إلى تفسير: فبينما استقبلت الرباط المبعوث الأممي في أجواء من الثقة والوضوح، تحركت كل المحطات الأخرى في فلك ردود الأفعال لا المبادرات.
وقد كان دي ميستورا صريحاً في هذا السياق حين أشاد بتقديم المغرب نسخة مفصلة من مبادرة الحكم الذاتي في أقاليمه الجنوبية، معتبراً أنها تعزز النقاش حول الحل، ونوّه باستمرار التزام الرباط بالحوار تحت إشراف الأمم المتحدة. وهو إقرار أممي صريح بأن المغرب لا يزال الطرف الوحيد الذي يقدم مقترحات جدية قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
لا تُقرأ هذه الجولة الأممية بمعزل عن التحول الأمريكي الاستراتيجي الذي يصبّ بشكل مباشر في خانة الموقف المغربي. فواشنطن لم تعد تكتفي بالدعم اللفظي، بل تُجسّده في لقاءات وتصريحات وتنسيق ميداني مع المبعوث الأممي نفسه.
يتبنى دونالد ترامب موقفاً ثابتاً داعماً لمغربية الصحراء، وهو الموقف الذي تكرّس رسمياً خلال ولايته الأولى وما زال مستمراً بقوة في عام 2026، واصفاً إياه بأنه الحل “الواقعي الوحيد” للنزاع. وقد ترجم المبعوث الأمريكي مسعد بولس هذا الموقف على أرض الواقع حين أكد صراحةً دعم الولايات المتحدة لحل سياسي عادل ودائم يستند إلى حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية على أقاليمها الجنوبية.
ويمثل التنسيق بين دي ميستورا وبولس مؤشراً بالغ الدلالة؛ إذ يعكس لقاؤهما وما تلاه من تصريحات حول “زخم حقيقي” وجودَ تنسيق متواصل بين المسارين الأممي والأمريكي بهدف إعادة تحريك العملية السياسية وفق رؤية لا تخرج عن الإطار الذي تطرحه الرباط منذ سنوات.
تحمل محطة نواكشوط في طياتها رسالة ضمنية موجهة إلى الجزائر تحديداً. فنواكشوط التي يحاول بعضهم تصويرها مدخلاً لتطويق المغرب جنوباً، أثبتت مرة أخرى أنها تسير في اتجاه مختلف تماماً. فقد فشلت الجزائر في استقطابها من خلال وعود بمشاريع تنموية مشتركة تفتقر إلى برامج واضحة، فيما رفضت موريتانيا الانخراط في المبادرة التي أطلقها الرئيس تبون لإنشاء تكتل مغاربي يستثني الرباط.
بل إن الغزواني ذهب أبعد من ذلك حين أكد في لقاء سابق مع دي ميستورا أن بلاده تشكل جزءاً من الحل وليست جزءاً من المشكل، مشدداً على دعم موريتانيا للمساعي المبذولة لتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف وانخراطها في العملية السياسية للنزاع بكل إيجابية. وهو خطاب لا يختلف جوهرياً عن المقاربة المغربية التي تدعو إلى الحل التفاوضي الواقعي لا المواجهة العقيمة.
الأهم في هذه الجولة ليس فقط من التقى دي ميستورا، بل ماذا طلب منهم. فالمبعوث الأممي لم يخفِ في تصريحاته الأخيرة أن ثمة طرفاً واحداً لا يزال يعيق التقدم، إذ دعا البوليساريو صراحةً إلى تقديم “تنازلات تاريخية” لتسهيل الحل في الأقاليم الجنوبية المغربية في غضون الأشهر القليلة المقبلة.
ويأتي هذا الضغط الأممي في سياق موعد فاصل لا يحتمل المراوغة؛ إذ يظل المسار محكوماً بالمرجعية القانونية لقرار مجلس الأمن 2797، الذي جدد بعثة المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026. وهو ما يعني أن الأشهر الأربعة القادمة ستكون حاسمة، ودي ميستورا يسعى إلى عقد جولة جديدة من المشاورات قبل أكتوبر المقبل، بهدف التوصل إلى اتفاق إطار وتحديد آليات تنفيذه.
تجتمع في المشهد الراهن شواهد كثيرة تصب في اتجاه واحد: المغرب يخوض هذه المرحلة من موقع القوة لا الدفاع. فمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية باتت المرجعية الضمنية لكل النقاشات، والدعم الأمريكي يمنح الرباط غطاءً دولياً غير مسبوق، وموريتانيا لا تزال خارج دائرة التأثير الجزائري، فضلاً عن مبعوث أممي يطالب خصوم المغرب بـ”تنازلات تاريخية”.
كل المؤشرات تقول إن ملف الصحراء المغربية قد دخل مرحلة “العد العكسي” للحسم النهائي، وإن هذا الحسم لن يكون إلا في صالح الوحدة الترابية للمملكة.
















