إسبانيا ترحب بمنح الصحراويين الجنسية الإسبانية وتدعم مساعي الأمم المتحدة لحل النزاع

هئية التحرير26 يونيو 2026آخر تحديث :
إسبانيا ترحب بمنح الصحراويين الجنسية الإسبانية وتدعم مساعي الأمم المتحدة لحل النزاع

عادت قضية الصحراء المغربية لتتصدر المشهد السياسي الإسباني بقوة، في جلسة برلمانية كثيفة الدلالات، كشفت بجلاء حجم الارتباك الذي لا يزال يسكن الموقف الإسباني من ملف ظلت مدريد طرفاً مؤسساً في تشابكاته منذ أن تركت الصحراء عام 1975 لمصير لم تُحسن إدارته. فبين وزير خارجية يؤيد مقترح الحكم الذاتي ويرفض إدانة مقتل قيادي في البوليساريو، وبرلمانيين من اليسار يطالبون بمواقف مغايرة، تتجلى إسبانيا دولةً لا تزال تتصارع مع إرثها الاستعماري في الصحراء، وتبحث عن توازن بين ذاكرتها وحاضرها ومصالحها.
في قاعة البرلمان الإسباني، تقاطع ملفان في آنٍ واحد؛ الأول يتعلق بمقتل أحد قيادات البوليساريو على يد الجيش المغربي، والثاني بمسألة الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين إبان الحقبة الاستعمارية. وفي كلا الملفين، اضطر وزير الخارجية مانويل ألباريس إلى التوازن على حبل مشدود بين إرضاء حلفائه البرلمانيين من جهة، والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع المغرب من جهة أخرى.
فحول مقتل القيادي، رفض ألباريس إصدار أي إدانة، محتجاً بأن لا مدريد ولا سائر العواصم الكبرى ولا الأمم المتحدة ذاتها أقدمت على ذلك، في اعتراف ضمني بأن المناوشات العسكرية في الصحراء باتت واقعاً تتعامل معه الأسرة الدولية بمنطق توازن القوى لا بمنطق الإدانة الأحادية. وهو موقف يصبّ موضوعياً في خانة المنطق المغربي الذي يؤكد أن الجيش الملكي يتصدى لاستفزازات مسلحة في تراب الصحراء المغربية.
أما ملف الجنسية، فقد أكد ألباريس دعم حكومته لمنحها للصحراويين المولودين قبل 1975 ولأبنائهم، في محاولة لإغلاق ملف إنساني معلق يُعدّ جزءاً من الدَّين التاريخي الذي تركته إسبانيا خلفها حين أدارت ظهرها للصحراء في ظروف بالغة الغموض.

لقراءة المشهد الراهن قراءةً وافية، لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية. فإسبانيا التي استعمرت الصحراء قرابة قرن من الزمن، انسحبت منها عام 1975 انسحاباً متسرعاً ومثيراً للجدل، دون أن تُرتب لهذا الانسحاب الترتيبات القانونية والسياسية الكافية التي تضمن انتقالاً سلساً. وقد خلّف ذلك فراغاً سرعان ما تحوّل إلى نزاع مسلح، وجدت فيه الجزائر فرصةً لزرع نفوذها في المنطقة عبر دعم جبهة البوليساريو.
والمفارقة الكبرى أن الدولة التي كانت تملك مفاتيح الحل التاريخي، أي إسبانيا، ظلت لعقود تتهرب من تحمّل مسؤولياتها الكاملة في هذا الملف، إلى أن جاء إعلان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز عام 2022 دعمَه الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي، ليُشكّل منعطفاً تاريخياً أعاد رسم موقع مدريد في هذه المعادلة.
مقترح الحكم الذاتي.. الحل الذي يكسب أرضاً دولية
حين قدّم المغرب مقترح الحكم الذاتي للصحراء عام 2007، استقبله كثيرون بتشكيك وحذر. لكن مسيرة خمسة عشر عاماً أثبتت أن هذا المقترح يمتلك من الرصانة والواقعية ما يجعله اليوم المرجعية الأبرز في النقاشات الدولية. فمجلس الأمن الدولي يواصل في قراراته المتتالية، ومنها القرار 2797 الذي استشهد به ألباريس، وصفَ المقترح المغربي بأنه جدي وذو مصداقية ويُشكّل أساساً للمفاوضات.
وعلى الصعيد الدولي، تجاوز عدد الدول التي فتحت قنصلياتها في مدن الصحراء المغربية كالعيون والداخلة مئة دولة، في رسالة سياسية بالغة الوضوح مفادها أن الاعتراف الفعلي بمغربية الصحراء يتوسع باستمرار خارج دوائر الخطاب الإعلامي لجبهة البوليساريو وداعميها.
بمعزل عن سجالات الأروقة الدبلوماسية، تسير الصحراء المغربية بخطى متسارعة نحو مستقبل تنموي يتجاوز كل الحسابات السياسية الضيقة. فميناء الداخلة الأطلسي الذي يتشكّل على الساحل الأطلسي، ومشاريع الطاقة المتجددة التي تحوّل الصحراء إلى قاطرة للتحول الطاقوي القاري، والبنية التحتية المتنامية التي تربط أقاليم الصحراء بعمق المغرب وبالعمق الإفريقي جنوباً، كل هذا يرسم صورة مغايرة تماماً للرواية التي يروّج لها خصوم الوحدة الترابية.
إن ساكنة الصحراء التي عاشت عقوداً على وعود الاستفتاء المؤجل، باتت اليوم تعيش واقعاً ملموساً من الاستثمار والتنمية والاندماج في المشروع التنموي الوطني، وهو ما يجعل الخطاب الانفصالي يفقد تدريجياً قدرته على إقناع أبناء المنطقة أنفسهم.

ما يجري في البرلمان الإسباني اليوم ليس مجرد جلسة نقاش دبلوماسي عابر؛ إنه تعبير عن مخاض تاريخي تقترب فيه قضية الصحراء المغربية من لحظة الحسم الدولي. فإسبانيا التي حملت مسؤولية المشكلة في جذورها باتت تنحاز إلى الحل المغربي. والمجتمع الدولي الذي طال صمته يُعيد تموضعه تدريجياً في الخانة الصحيحة من التاريخ. والمغرب الذي صبر طويلاً وبنى ائتلافه الدولي بأناة واحترافية يقترب من قطف ثمار مساره الدبلوماسي المتراكم.
أما الصحراء، فهي لم تنتظر انتهاء الجدل لتبدأ حياتها. فهي عاشت دائماً في حضن وطنها، منذ أن كانت قبائلها تُبايع سلاطين المغرب وتحمل رايتهم قبل أن تعرف العالم حدوداً مرسومة وأمماً متحدة وقرارات دولية.
وطن_أنفو

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل