المغرب يُزيح إسبانيا من صدارة موردي الطماطم إلى بريطانيا.. “بريكست” يُعيد رسم خريطة التجارة الزراعية

هئية التحرير26 يونيو 2026آخر تحديث :
المغرب يُزيح إسبانيا من صدارة موردي الطماطم إلى بريطانيا.. “بريكست” يُعيد رسم خريطة التجارة الزراعية

في مشهد يختزل تحولات عميقة في موازين التجارة الزراعية الدولية، نجح المغرب في تحقيق إنجاز لافت يُعيد رسم خريطة الإمداد الغذائي لواحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم؛ إذ تمكّن من إزاحة إسبانيا عن صدارة موردي الطماطم إلى المملكة المتحدة، مستثمراً التحولات الجذرية التي أحدثها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في مؤشر بالغ الدلالة على النضج التصديري للفلاحة المغربية وقدرتها على استثمار المنعطفات الجيوسياسية الكبرى لصالحها.

الأرقام وحدها كفيلة بسرد هذه القصة بكل أبعادها. فوفق معطيات حديثة نشرتها الفيدرالية الإسبانية لجمعيات منتجي ومصدري الفواكه والخضر (FEPEX)، بمناسبة مرور عقد كامل على استفتاء “بريكست” في يونيو 2016، ارتفعت صادرات المغرب من الطماطم نحو المملكة المتحدة من 49 ألفاً و843 طناً سنة 2016 إلى 126 ألفاً و203 أطنان سنة 2025، بنمو استثنائي بلغ 157 بالمئة في غضون تسع سنوات فقط.
في المقابل، سلكت الصادرات الإسبانية المسار المعاكس تماماً؛ إذ تراجعت من 137 ألفاً و967 طناً إلى 57 ألفاً و458 طناً فقط خلال الفترة ذاتها، أي بانهيار بلغت نسبته 58 بالمئة. والنتيجة الصادمة أن صادرات المغرب باتت تفوق اليوم نظيرتها الإسبانية بأكثر من الضعف، في منتج يُعدّ من الركائز التقليدية للتصدير الإسباني نحو بريطانيا.
يكشف التدقيق في هذا التحول أن “بريكست” لم يكن مجرد حدث سياسي بريطاني-أوروبي، بل كان زلزالاً هيكلياً أعاد تشكيل موازين المنافسة التجارية على المستوى العالمي. فبخروج المملكة المتحدة من منظومة السوق الأوروبية الموحدة، فقد المصدرون الأوروبيون امتياز حرية تنقل السلع بلا قيود جمركية، وباتوا ملزمين بسلسلة معقدة من الإجراءات الصحية والإدارية والجمركية التي رفعت كلفة التصدير وقلّصت هامش تنافسيتهم.
وترى FEPEX أن هذا النظام الجديد أعاد رسم قواعد اللعبة لصالح الموردين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي، الذين أصبحوا يتنافسون بشروط متكافئة أو أفضل أحياناً من نظرائهم الأوروبيين. وهو ما وجد فيه المغرب فرصة استراتيجية لم يتردد في انتهازها.
عوامل تنافسية مغربية راسخة
لا يمكن اختزال هذا النجاح في مجرد استغلال انتهازي لظرف استثنائي. فالمغرب يمتلك جملة من المقومات التنافسية الهيكلية التي جعلته قادراً على ملء الفراغ الذي خلّفه التراجع الإسباني بكفاءة لافتة، في مقدمتها القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية والبريطانية، وتطور البنية اللوجستية المخصصة للتصدير، فضلاً عن كلفة إنتاج أكثر تنافسية، ونضج متزايد لسلاسل التثمين الزراعي التي راكمها المغرب خلال العقدين الأخيرين عبر سياسات القطب الأخضر والمخطط المغرب الأخضر.
ولم يتوقف هذا الزخم عند الطماطم، بل شمل مجمل الصادرات الزراعية؛ إذ ارتفعت واردات بريطانيا من الخضر والفواكه المغربية بنسبة 31 بالمئة بين 2021 و2025، منتقلة من 249 ألفاً و372 طناً إلى 327 ألفاً و490 طناً.
المغرب في سياق إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الغذائي العالمي
يندرج هذا التحول ضمن اتجاه أوسع يعيد رسم خريطة الإمداد الغذائي البريطاني لصالح الموردين من خارج الاتحاد الأوروبي. فجنوب إفريقيا رفعت صادراتها من الخضر والفواكه إلى بريطانيا بنسبة 12 بالمئة، ومصر بنسبة تفوق 30 بالمئة بين 2021 و2025. غير أن المغرب يبقى الأكثر دينامية في هذه المنافسة، بفضل تقاطع عوامل الجغرافيا والسياسة الفلاحية والاستثمار اللوجستي المتراكم.
ما يعني أن المملكة المتحدة باتت تعتمد بشكل متزايد على موردين من الجنوب لضمان أمنها الغذائي، في مشهد يعكس بجلاء أن التحولات الجيوسياسية الكبرى تُنتج دائماً فرصاً لمن يملك الاستعداد لاستثمارها.
دلالة الإنجاز في سياق المغرب الراهن
يكتسب هذا الإنجاز أهمية مضاعفة في سياق التوجه الاستراتيجي الذي تنتهجه المملكة المغربية لتعزيز انفتاحها الاقتصادي وتنويع أسواقها التصديرية. فتصدّر المغرب لموردي الطماطم إلى بريطانيا ليس مجرد رقم تجاري، بل هو ترجمة ميدانية لسنوات من الاستثمار في القطاع الفلاحي، وخير دليل على أن المغرب بات فاعلاً تجارياً من الصف الأول قادراً على المنافسة وكسبها حتى في مواجهة قوى اقتصادية عريقة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل