بقلم: عبد الحق الاكحل
لن تكون مباراة المغرب وهولندا بمدينة مونتيري المكسيكية مجرد لقاء في دور الـ32 من كأس العالم 2026، بل ستكون حدثاً يختزل تاريخاً مشتركاً وروابط إنسانية وثقافية عميقة، جعلت وكالة رويترز تصفها بواحدة من أكثر مواجهات هذا الدور إثارة وحساسية.
يقف إسماعيل صيباري، هداف أسود الأطلس في النسخة الحالية من المونديال ولاعب نادي آيندهوفن الهولندي، رمزاً حياً لهذا التشابك العميق بين البلدين. فالرجل الذي صنع اسمه في الدوري الهولندي سيواجه اليوم المنظومة الكروية التي احتضنت نضجه، حاملاً ألوان الأطلس أمام جماهير لطالما صفّق لمهاراته.
ولا يقتصر الأمر على صيباري، إذ يضم المنتخب المغربي عدداً من اللاعبين المولودين في هولندا أو الذين تلقوا تكوينهم الكروي هناك، في مشهد يعكس الحضور الاستثنائي للجالية المغربية في المجتمع الهولندي، البالغ عددها نحو 430 ألف شخص وفق ما أوردته رويترز.
في اعتراف لافت، قال مدرب المنتخب الهولندي رونالد كومان إنه لا يعتبر منتخبه المرشح الأوفر حظاً في هذه المواجهة، مُثنياً على جودة المنتخب المغربي وقدرته على التسجيل بسهولة. اعتراف يحمل في طياته إقراراً بأن المغرب لم يعد ضيفاً على هذه المحافل، بل بات منافساً حقيقياً يستحق الاحترام.
لا تأتي هذه المواجهة في فراغ، بل تتويجاً لمسار مغربي صاعد. فبعد الإنجاز التاريخي في كأس العالم 2022 حين بلغ المنتخب نصف النهائي لأول مرة في تاريخ القارة الأفريقية، واصل أسود الأطلس مسيرتهم في مونديال 2026 بإنهاء دور المجموعات في المركز الثاني خلف البرازيل بفارق الأهداف فقط، في مؤشر واضح على ثبات المستوى وعمق التكوين.
وقد أسهمت الخبرات الكروية الهولندية خلال العقد الأخير في بناء هذا المنتخب القوي، وهو ما يجعل مواجهة اليوم تحمل بعداً رمزياً إضافياً: المغرب في مواجهة المدرسة التي ساهمت في صياغة هويته الكروية الحديثة.
لا يمكن قراءة هذا اللقاء بمعزل عن جدل قديم متجدد داخل الأوساط الرياضية والسياسية الهولندية، يتعلق باختيار لاعبين من أصول مغربية تمثيل أسود الأطلس بدلاً من “الطواحين الهوائية”. وقد أعادت رويترز التذكير بتصريحات الدولي الهولندي السابق رافاييل فان دير فارت التي أثارت جدلاً واسعاً في مارس الماضي، كاشفةً أن هذه المسألة لا تزال تُلقي بظلالها على المشهد الكروي في البلاد.
حتى قبل انطلاق الصافرة، باتت شوارع المدن الهولندية مسرحاً لاحتفالات الجالية المغربية التي خرجت تُعبّر عن فخرها بإنجازات منتخبها. وقد دفع هذا الحماس السلطاتِ الهولندية إلى دعوة المشجعين للتحلي بالهدوء والحفاظ على النظام العام، في دليل على الثقل الاجتماعي الذي باتت تحمله هذه المباراة خارج حدود الملعب.
يقف المنتخب المغربي على أعتاب محطة جديدة في مسيرته التصاعدية، في مواجهة تختزل تاريخاً مشتركاً وتحمل أبعاداً تتجاوز حسابات الكرة. وإن كان الميدان هو الفيصل، فإن الرهان الأكبر يظل في تأكيد حضور مغربي راسخ على خريطة كرة القدم العالمية.
















