الخلايا المتطرفة بالمغرب: عندما يتوهم الشاب أنه أصبح مجاهدا !!

هئية التحرير9 يوليو 2026آخر تحديث :
الخلايا المتطرفة بالمغرب: عندما يتوهم الشاب أنه أصبح مجاهدا !!

 

الخلايا المتطرفة بالمغرب: عندما يتوهم الشاب أنه أصبح مجاهدا !!

1- من الانحرافات الخطيرة في تفكير المتدين المتطرف الذي ينتهج الغلو فكرا وسلوكا ؛ ما أسميه شخصيا ” الجهاد المتوهم” وهو انحراف يغلف العقل و التفكير و الرؤية و يفسد الذوق و يعمي البصيرة..

لقد أذن الله لنبيه سيدنا محمد بالجهاد؛ وهي كلمة عربية مشتقة من الجهد ؛ فان كان جهدا في التأمل كان اجتهادا ؛ و ان كان جهدا موجها إلى النفس كان مجاهدة ؛ وان كان جهدا متفاعلا مع الآخر في ساحة الحق والباطل سمي جهادا..

وهو بكل بساطة وبقليل من تدبر القرآن و السنة و السيرة النبوية “استعمال القوة لرد القوة الباغية المعتدية ” ..

لم يكن جهاد الأنبياء استعمال قوة ابتداء ابدا؛ و مشكلة الفكر المتطرف و الجهادي أنه يتجاهل جميع القرائن الحافة بانتقال النبي (ص) من الدعوة باللسان و الموعظة الحسنة إلى استعمال القوة و السلاح؛ و يدعي تخرصا أن جهاد النبي كان ابتداء بالقتال ..

سيكون من العبث تصديق مرافعة يدعي فيها أحدهم ” بأن المغرب في بداية القرن العشرين قد هاجم فرنسا بالسلاح؛ فاضطرت فرنسا لفرض الحماية عليه “!!

إن قلب المفاهيم يصعب معه الحوار والاقناع ..

فأن تمحو من ذاكرة التاريخ ؛ السياق الواقعي و الحقيقي للسردية الحقيقية للدعوة الإسلامية و ظروف تشريع الجهاد ، لهو أخطر تحريف تمارسه الحركات الجهادية المتطرفة ..

 

2 – لقد جاء الجهاد ضمن مسار يبدأ بنزول القرآن؛ و دعوة النبي المكرم لأقاربه سرا و خوفا ؛ و هجوم المشركين على كل من استجاب للنبي و هروبهم إلى الحبشة ابتداء خوفا من القتل؛ و كف النبي و الذين آمنوا لأيديهم عن الرد والمواجهة ؛ ثم هجرة النبي المكرم الى المدينة خوفا من القتل؛ و استشهاد العديد ممن اسلم نتيجة الارهاب الممارس على أهل القرآن.. لتكون النتيجة النهائية هي أن كل من أسلم يقتل ؛ و كل من هاجر مع النبي اي غادر مكة؛ تصادر وتسرق امواله ؛ ففقد المؤمنون مقومات الحياة ، أرضهم و أموالهم !! لينزل القرآن بعد الهجرة مباشرة بالأمر بالجهاد ؛ ويبين دواعي هذا الجهاد بالسلاح ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، و إن الله على نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق.. ) الآية.. وهو نص قطعي ورودا ودلالة و لا يحتاج أي تأويل ؛ فالله تعالى يأمر نبيه ومن معه بالجهاد بسبب التهحير و الظلم الواقع عليكم ..

فكيف ينظر المتطرفون و أصحاب الخلايا الارهابية إلى حملهم السلاح اليوم؛ مدعين أنهم يملكون الفهم الصحيح لسنة نبينا عليه افضل الصلاة والسلام ؟

إن الجهاديين المعاصرين هم نتاج سلسلة من الانحرافات النفسية التي صنعت في سجون دول عربية معروفة ؛ وقد كتب سجناؤهم كتبهم وتأويلاتهم في ظروف غير عادية ؛ فلإن كان النبي قد تلقى الوحي في غار حراء ؛ و فوق جبل يرمز للخلوة والعزلة و التأمل و الحرية ؛ فإن منظري التطرف قد تلقوا أفكارهم في ظروف القمع و التشوش و السجون ؛ لهذا اصطبغت أفكارهم بكل ملوثات التفكير السليم وأبرزها :

أ – الفكرة الخائفة: و هي الفكرة التي تنتج من ظروف نفسية مضطربة تنظر الى العالم الذي خارج السجن بمثابة عدو ضال و ظالم ؛ و تقصر الخيرية على من يشاركها الألم و المعاناة و الحزن ؛ ولهذا يقرأ المتطرف سيرة النبي بنظارات السواد و الخوف و الانتقام ؛ و تتضخم في عينيه لحظة تعذيب بلال بن رباح و استشهاد ياسر .. و تختفي من صفحة تفكيره مساكنة النبي لعمه المشرك ابي طالب !!

إنها نظرة تستمتع بتجميع لحظات الاضطهاد في السيرة؛ و اخفاء لحظات الحوار و الموعظة و المجادلة بالتي هي إحسن ؛ بل تمحى عمدا آلاف القصص عن ” معاشرة الصحابة ” لأسرهم و عائلاتهم المشركة ؛ وفوق كل هذا ؛ ألم ينزل القرآن موجها من أسلم ألا ينهر و لا يتأفف في وجه والديه المشركين ؟ والدعوة الى مصاحبتهما بالمعروف ولو جاهدا في الصد عن الاسلام ؟

إن الفكر المتطرف مولع بكل فكرة خائفة ؛ و العلاج هو ادخال المتطرف في “حمام فكري” بارد معقم ؛ حمام من الأفكار الهادئة و المطمئنة؛ ولا يتحقق هذا إلا بان يعيش المتطرف في (منتجع/ معتقل) يتأسس على أسس الجمال العمراني ؛ و وسط رفوف مكتبة مطمئنة؛ ناسخة للأفكار المتطرفة ؛ ليستنشق بعدها المتطرف هواء طاهرا منعشا يرد له ذاكرته الفطرية.

ب – المجاهد الحي : مطلوب كذلك أن يجالس المتطرف المجاهدين الأحياء ؛ الذين قضوا سنوات عمرهم يقاومون الاستعمار في جهاد صادق جلي على خطى الانبياء ؛ مجاهدون حملوا السلاح كرها ضد عدو يتقصد سرقة الارض و المال و المستقبل و الأحلام ؛ أعرف يقينا أنه من الصعب اقناع المتطرف بأن ( الشاف لحسن ) رحمه الله؛ و هو “والدي” الذي كان مجاهدا ضد السبليون و الفرانسيس” في خمسينات القرن العشرين ؛ و سبب تعذر اقتناع المتطرف هو هيمنة حضور “المجاهد التخيلي” الذي حشي به مخيال المتطرف عبر جلسات من الشحن و غسبل الدماغ ..

فالمتطرف يستدعي ذهنيا ذلك المجاهد الذي عاش مع النبي؛ و المستعصي على التحقيق اليوم ؛ فهو مجاهد من اليوطوبيا و الخيال ؛ نعجب به نعم؛ ولكن لا نستطيع بلوغ قدره ؛ لقد كان تقيا وقويا وشديدا على المشركين ؛ و لكن صفاته انقرضت مع موته ؛ فهو حي في الماضي و مستحيل في الحاضر و المستقبل ؛ و الذي يمعن التأمل في هذا التصور يجده (قريبا من الكفر) لانه يشك في امكانية تطبيق آيات القرآن في هذا العصر !!

 

3 – إنني أشعر بالفخر أنني أنتمي لأبناء المقاومين واعضاء جيش التحرير بالمملكة الشريفة؛ الذين جاهدوا بأمواهم وأنفسهم ضد العدو المستعمر في أواسط القرن العشرين ؛ متسلحين بايمانهم بالله و تأسيهم بسنة رسول الله ؛ وقد عايشت والدي رحمه الله ملازما للمسجد، و محبا لعمل الخير ، و فاتحا بيته للفقراء و المساكين وذي القربى؛ و قد عشنا معه فريضة الجهاد مفهوما نظريا و تطبيقا عمليا؛ فكان رحمه الله عندما يحدثك عن الصبر و الاثخان في العدو ؛ فإنه يكشف لك عن ظهره و عن ذراعيه ليريك أثر رصاصة هنا، و بقايا جروح شظايا قنبلة على الرأس و الساقين..

يحدثك عن صلاة الخوف عند ملاقاة العدو ؛ و عن دور الدعاء في التثبيت على أرض المعركة ؛ وعن الجوع و كسرة خبز و حسوة ماء التي كانت تكفي الثلاثة والعشرة ؛ و عن دفن الشهداء في قبر واحد و عن تلقينه الشهادة لصديقه الذي مات بين يديه؛ و عن صلاة الخوف و المسح على الجبيرة الملضخة بدم الجهاد .. و عن أسرار و أنوار كانت تتراءى للمجاهدين قبيل الفجر وهم يستغفرون و يدعون للسلطان..

صدقوني ؛ يحتاج المتطرفون علاجا نفسيا ليتأهلوا للاندماح في مجتمعنا من جديد ؛ فالكثير من كتابات الإسلاميين تنتج مسلما مغتربا عن ( أهله) ؛ حالما بمجتمع ودولة مستحيلة ؛ لن تتحقق الا في أحلامهم و جلساتهم الخاصة..

لقد قرأنا في مراهقتنا بعضا من تلك الكتابات المدغدغة للعواطف الدينية و أحلام الخلافة و انتصار الاسلام ؛ فانبهرنا كالاطفال بحكاياتها زمنا ؛ ثم أدركنا خطورتها في ما بعد ؛ إنها تقدف بالشاب البريء في عالم متخيل، و جهاد متخيل، و إسلام متخيل للأسف.. وبسبب هذه التخيلات تصنع “شخصيات حدية” في المجتمع المسلم؛ لا تعترف بالاسلام الفطري الواقعي؛ بل تسعى و تجتهد لتدمير كل شىء جميل من أجل اشباع هذه الاحلام والتخيلات..

وهنا تكمن خطورة الفكر المتطرف على مملكتنا الشريفة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل