شريان مائي جديد يعيد رسم جغرافية المغرب: انطلاق المرحلة الثانية لربط حوضي “سبو” و”أم الربيع” ​يدخل تدبير الثروة المائية بالمغرب مرحلة هيكلية غير مسبوقة

هئية التحريرمنذ 6 ساعاتآخر تحديث :
شريان مائي جديد يعيد رسم جغرافية المغرب: انطلاق المرحلة الثانية لربط حوضي “سبو” و”أم الربيع” ​يدخل تدبير الثروة المائية بالمغرب مرحلة هيكلية غير مسبوقة

مقرن “سبو–أم الربيع”: ملامح جغرافية مائية جديدة بالمغرب تقودها الاستثمارات الهيكلية

​يدخل تدبير الثروة المائية بالمغرب مرحلة غير مسبوقة من التحول البنيوي؛ فبعد عقود من الاعتماد على السياسة العمودية لتخزين المياه عبر السدود، يتجه الاقتصاد الوطني نحو صياغة “شبكة هيدروليكية أفقية متكاملة”. ويتجلى هذا التوجه في الشروع في تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع تحويل المياه بين حوضي “سبو” و”أم الربيع”، والممتد على مسافة تقارب 300 كيلومتر لنقل ما يصل إلى 800 مليون متر مكعب سنوياً.

​هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يتم تنفيذه عبر آلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) من خلال تحالف استثماري يضم شركات “طاقة المغرب” (TAQA Morocco)، و”ناريڤا” (Nareva)، و”صندوق محمد السادس للاستثمار” (FM6I) إلى جانب الدولة، لا يقتصر على مضاعفة الإنجازات المحققة منذ عام 2023 فحسب، بل يكرس دمجاً صناعياً كاملاً بين منظومتي نقل المياه والمنظومة الطاقية الوطنية. كما يضع هذا التحالف في قلب برنامج استراتيجي شامل تبلغ قيمته الاستثمارية 130 مليار درهم في أفق سنة 2030.

​عقيدة التخطيط المائي: من “مضخات الطوارئ” إلى “الربط الهيكلي”

​بالرغم من الانتعاش الملحوظ الذي سجله سد المسيرة (المزود التاريخي للدار البيضاء بالماء الشروب) بارتفاع نسبة ملئه من 4.3% في مارس 2025 إلى 33.3% في مارس 2026 بفعل التساقطات المطرية الاستثنائية، فإن المقاربة الرسمية تجاوزت تماماً رهان الارتهان لتقلبات المناخ. وأصبحت الاستراتيجية الجديدة تقوم على حتمية التخطيط الهيكلي العابر للأحواض المائية.

​وفي هذا الصدد، ينقسم التصميم المعماري للمرحلة الثانية إلى شطرين متكاملين صناعياً:

​مضاعفة خط “سبو-بورقراق”: عبر إنشاء خط أنابيب ثانٍ موازٍ للخط الحالي الممتد على مسافة 67 كيلومتراً (المشغل منذ أغسطس 2023)، مما يرفع القدرة الاستيعابية الإجمالية لهذا الرواق إلى 800 مليون متر مكعب سنوياً، وتأمين المخزون المائي اللازم لتغذية المحور الممتد نحو الجنوب.

​الرواق الجديد “بورقراق-أم الربيع”: يمتد على مسافة تتراوح بين 214 و240 كيلومتراً، وبطاقة تدفق مستهدفة تبلغ 30 متراً مكعباً في الثانية (ما يعادل صبيب نهر متوسط الحجم يتم توجيهه بصفة دائمة من حوض فائض إلى حوض عاجز). وسيربط هذا الخط سد سيدي محمد بن عبد الله بسد المسيرة، بهدف إنعاش حوض أم الربيع وضمان مياه الري لمنطقة دكالة ومحيط بني موسى.

​ترابطية “الماء والطاقة”: المحرك الأساسي للمشروع

​تتميز هذه الجيل الجديد من المشاريع الهيدروليكية بالربط العضوي الحاسم بين كلفة المتر المكعب المنقول والطاقة النظيفة. فعملية ضخ 30 متراً مكعباً في الثانية عبر تضاريس متباينة تتطلب استهلاكاً طاقياً ضخماً، وهو ما ستتم تلبيته عبر مشاريع موازية للطاقة المتجددة (خاصة طاقة الرياح في الأقاليم الجنوبية) بقدرة إجمالية مستهدفة لفك الارتباط بالكربون وخفض كلفة الإنتاج والتحوط الطاقي (Hedging).

​ويأتي هذا الربط كجزء من الحزمة الاستثمارية الموقعة في 19 ماي 2025 بين التحالف الاستثماري والحكومة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)، والتي تتضمن 5 محاور رئيسية تتكامل صناعياً:

​تحويل المياه بين الأحواض (مشروع سبو-أم الربيع).

​محطات تحلية مياه البحر بطاقة إجمالية تبلغ 900 مليون متر مكعب سنوياً موزعة على 4 مناطق ساحلية، بهدف تخفيف الضغط عن الموارد التقليدية وتوجيهها للمناطق الداخلية.

​الخط الكهربائي عالي الجهد (HVDC) الممتد على طول 1400 كيلومتر بقدرة 3000 ميغاوات لنقل الطاقة الخضراء من الجنوب إلى مراكز الاستهلاك الشمالية وتغذية محطات الضخ والتحلية.

​تطوير محطة توليد الطاقة بالغاز ذات الدورة المركبة في موقع “تهدارت” بقدرة 1400 ميغاوات لضمان استقرار الشبكة في أوقات الذروة.

​الآثارTerritoriales (المجالية) ونقاط اليقظة

​على المستوى السوسيو-اقتصادي والمجالي، سيعمل المشروع على عكس التوجه السابق الذي كان يعطي الأولوية للمراكز الحضرية الساحلية على حساب الأحواض الداخلية؛ حيث سيساهم فائض حوض سبو في إحياء الفرشات المائية المجهدة (مثل فرشة برشيد) وإعادة التوازن المفقود لقطاع الفلاحة المسقية عبر استهداف ري أزيد من 176 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، مما يعزز السيادة الغذائية للمملكة ويسهم في تقليص الفوارق المجالية.

​ومع ذلك، يظل نجاح هذا الورش الضخم رهيناً بمدى تسيير ثلاث عقبات أساسية:

​التزامن الزمني المعقد: نظراً للمدى الزمني القصير المتمثل في أفق 2030 لإنهاء استثمارات بقيمة 130 مليار درهم وتنسيق مشاريع متباينة (أنابيب، محطات ضخ، طاقة متجددة، وخطوط كهربائية).

​تأمين العقار والحصول على الرخص: بالنظر إلى طول مسار الأنابيب التي ستخترق مئات الكيلومترات من الأراضي الفلاحية والنظم البيئية الحساسة.

​إدارة التمويل: والتي سيتم تعبئتها عبر الأسواق المالية الوطنية والدولية لضمان استدامة النموذج المالي للشراكة طويلة الأمد.

​إن مقرن “سبو–أم الربيع” يمثل انتقالاً جوهرياً في الهندسة الاقتصادية المغربية، حيث لم يعد يُنظر إلى نقل وتدبير المياه كمجرد مرفق عام وتقليدي، بل كبنية تحتية شبكية حيوية محكومة بقوانين النجاعة الطاقية، والاستدامة المالية، والعدالة المجالية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل