الهاكا والانتخابات التشريعية 2026: تقنين التغطية الإعلامية بين الإنجاز والإغفال
طانطان – وطن أنفو | أقدمت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) على خطوة تنظيمية لافتة بإصدار دفتر تحملات جديد يُلزم القنوات التلفزية العمومية بضوابط صارمة خلال التغطية الإعلامية للانتخابات التشريعية المقبلة المزمع إجراؤها في سبتمبر 2026. وإذا كانت هذه الخطوة تُجسّد وعياً مؤسسياً متقدماً بمتطلبات الحياد الإعلامي، فإنها في الوقت ذاته تكشف عن ثغرات منهجية قد تُضيّق مفهوم التعددية الديمقراطية بدلاً من توسيعه.
لا يمكن إنكار أن القرار يحمل جملة من المكتسبات التنظيمية الجوهرية التي طال انتظارها في المشهد الإعلامي المغربي.
فعلى صعيد ضمان التعددية، يُرسي دفتر التحملات مبدأ التغطية المتكافئة لجميع الأحزاب السياسية، بما يكفل للمواطن الوصول إلى تعدد في المعلومة والرأي بدلاً من هيمنة توجه واحد على الفضاء الإعلامي العمومي. وهو مكسب ديمقراطي حقيقي في سياق إعلامي طالما اتّسم بالتفاوت في منح أوقات البث وفضاءات التعبير.
وعلى صعيد الحياد المهني، يذهب القرار إلى حدّ إقصاء الصحفيين والمنشطين المنتمين إلى أحزاب أو المدعمين لمرشحين من الظهور الإعلامي طوال فترة الحملة، وهو إجراء يُقطع مع ظاهرة “الإعلام الحزبي المُقنَّع” التي تنخر مصداقية وسائل الإعلام العمومية في كثير من التجارب المقارنة.
أما على صعيد مكافحة التضليل، فيمثّل حظر نشر استطلاعات الرأي قبيل التصويت ومنع المحتوى الانتخابي المزيف والمُنتج بالذكاء الاصطناعي استجابةً استباقية لمخاطر العصر الرقمي التي باتت تُهدد نزاهة العمليات الانتخابية في دول ذات تجارب ديمقراطية راسخة.
وفي هذا الإطار تندرج أيضاً التوصيات المتعلقة باحترام التنوع اللغوي والمجالي، وتشجيع حضور المرأة والشباب ومغاربة العالم وذوي الإعاقة في النقاشات السياسية، وهي توصيات تعكس قراءة شاملة للمجتمع المغربي في تنوعه وتعدده.
ثانياً: ما أغفلته الهاكا.. ثغرات تمسّ جوهر الديمقراطية
بيد أن المُدقّق في مضامين دفتر التحملات يرصد غياباً لافتاً يمسّ صميم التمثيلية الديمقراطية، ويتعلق الأمر بفئتين :
يقتصر منطق التغطية المتكافئة على الأطر الحزبية، في حين أن الاستحقاقات الانتخابية المغربية تشهد دائماً حضوراً ملحوظاً للمرشحين المستقلين الذين يُمثّلون في الغالب ديناميكيات محلية وقبلية واجتماعية عميقة، لا سيما في الدوائر الجنوبية والقروية. وتغييب هذه الفئة عن معادلة الحياد الإعلامي يُفضي إلى تمييز ضمني يُكرّس الأحزاب كوسيط وحيد شرعي بين المواطن والسياسة.
تُمثّل ظاهرة مقاطعة الانتخابات، في سياقها السوسيوسياسي المغربي، تعبيراً ديمقراطياً مشروعاً يحمل دلالات عميقة ينبغي أن يُعالجها الإعلام العمومي بموضوعية وعمق. غير أن دفتر التحملات الجديد لا يُقرّ أي آلية للتعامل مع هذا الخطاب، مما قد يُفضي عملياً إلى تهميشه أو إسكاته في الفضاء الإعلامي الرسمي، في تناقض صريح مع مبدأ التعددية المُعلَن.
تأتي هذه الخطوة التنظيمية في سياق مشحون بالرهانات. فالانتخابات التشريعية المقبلة تجري في ظل مناخ سياسي يتسم بتصاعد ملحوظ في خطاب الشأن العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبروز جيل جديد من الناخبين أكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي منه بوسائل الإعلام التقليدية. ومعنى ذلك أن منظومة ضبط التغطية الإعلامية التي تبنّتها الهاكا، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة الأثر ما لم تُوازَ بإطار تنظيمي يمتد ليشمل الفضاء الرقمي الذي بات الساحة الحقيقية للنقاش الانتخابي.
كما يطرح القرار تساؤلاً جوهرياً حول آليات التنفيذ والمراقبة: من يُحاسَب عند الخرق؟ وما الجزاءات الفعلية المترتبة عن ذلك؟ وهل تملك الهاكا الأدوات الكافية للرصد الآني لمضامين مئات ساعات البث؟
يبقى قرار الهاكا خطوة إيجابية في مسار تأطير الإعلام الانتخابي، إلا أنه يعكس رؤية تُرتكز على الفاعل الحزبي وتُغفل الهامش الديمقراطي الأوسع. وإن كانت الديمقراطية في جوهرها تعني تمثيل مجموع الإرادات لا بعضها، فإن أي منظومة إعلامية تدّعي الحياد ينبغي أن تُتيح المجال لكل الأصوات، بما فيها تلك التي ترفض اللعبة من أساسها.
المعادلة الحقيقية ليست فقط في توزيع الزمن الإعلامي بين الأحزاب، بل في صون حق المواطن في الاطلاع على كامل المشهد السياسي بكل تناقضاته وثروته.
















