تتجلى إشكالية النخب السياسية والثقافية بجهة كلميم وادنون في سياق سوسيوسياسي معقد، يتأرجح بين موروث قبلي متجذر وتطلعات حداثية تفرضها ضرورة الاندماج في سيرورة التنمية الجهوية الموسعة. وفي هذا الإطار، ينبثق التساؤل الجوهري حول الحصيلة القيمية والواقعية لهذه النخب في ميزان الربح والخسارة التنموية. إذ يسجل، من زاوية “الربح”، نجاح النخب الوادنونية في تثبيت الخصوصية الهوياتية للمجال الصحراوي كرافعة للدبلوماسية الموازية واستطاعتها عبر شبكاتها الاجتماعية والسياسية جلب استثمارات مهيكلة في قطاعات الطاقات المتجددة والبنية التحتية. وعلى هدي هذه المبادرات، تم خلق “واحات تنموية” مكنت الجهة من التموقع كبوابة قارية نحو إفريقيا والمحيط الأطلسي؛ وهو ما يعكس قدرة النخبة على المزاوجة بين “البرستيج” القبلي والفاعلية الإدارية في اقتناص الفرص التنموية الكبرى. بيد أن هذا المنجز الكمي تقابله، في كفة “الخسارة” المفاهيمية، تعثرات ملموسة في مؤشرات التنمية البشرية وتكريس لنوع من “الزبونية السياسية” التي أعاقت التداول النخبي وحالت دون بروز كفاءات شبابية تكنوقراطية أو سياسية قادرة على تجاوز الاستقطابات التقليدية. وعلاوة على ذلك، فإن النخبة المثقفة ارتكنت إلى المقاهي لتحليل المشهد السياسي أو أنها سقطت في فخ “الارتهان للممول السياسي” مما أفقدها دورها النقدي والطلائعي في عقلنة الشأن العام ومسخ الثقافة من فعل تنويري إلى “فلكلور” يخدم الأجندات الانتخابية الضيقة. ومرد ذلك إلى فقد تكبد الجهة خسارة تنموية كبرى مقارنة مع جهات مجاورة عبر “الهدر الزمني التنموي” الناجم عن الصراعات البينية للنخب، والتي استنزفت الرأسمال اللامادي للجهة في معارك “التموقع” بدلاً من “التنمية”. وهذا ما أدى في المحصلة إلى تعميق الفجوة بين الخطاب الرسمي الطموح والواقع المعيش الذي يفتقر لعدالة مجالية تنعكس على النموذج التنموي المستقبلي للجهة. وتأسيسا على نتائج هذا التحليل، يتبين أن الحصيلة التنموية بكلميم وادنون تظل رهينة بمدى قدرة هذه النخب على فك الارتباط بين المصالح الفئوية الضيقة والمصلحة الاستراتيجية للمجال والانتقال من منطق “الريع السياسي” إلى منطق “الاستحقاق التنموي” الشامل، وهو ما يتطلب ثورة ثقافية داخل بنية النخبة ذاتها لتجاوز معيقات السوسيولوجيا التقليدية نحو آفاق الحكامة الرشيدة، لاسيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
بقلم د. ميراري سعيد













