المكتب الشريف للفوسفاط يستعيد طاقته الإنتاجية الكاملة من الأسمدة ويحوّل أزمة الكبريت العالمية إلى رافعة استراتيجية

كشف موقع “ميديا24” المتخصص في الشأن الاقتصادي المغربي، في تقرير حصري، أن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) اتخذت في نهاية شهر مايو الماضي قرارا استراتيجيا بالعودة إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة في مجال الأسمدة بحلول نهاية يونيو الجاري، في خطوة جاءت عكس كل التوقعات التي رافقت الجدل المتصاعد حول وضعية المجموعة خلال الأسابيع الأخيرة.
وأوضح التقرير أن المجموعة كانت محط متابعة دقيقة في الأسابيع الماضية، وسط أجواء توتر مرتبطة بأزمة مضيق هرمز، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الكبريت، وحجم المديونية الذي بلغ مليارات الدولارات، فضلا عن إعلانات سابقة بشأن خفض الإنتاج، وهو ما عزز الانطباع بأن المجموعة تمر بأزمة استثنائية. غير أن المعطيات التي حصل عليها الموقع من ثلاثة من قيادات المجموعة – إلياس الفالي، المدير التنفيذي لإدارة القيمة، ومحمد سوال، مستشار الرئيس مصطفى الترابي، وهشام الهبطي، المدير التنفيذي للابتكار والتعلم ورئيس جامعة محمد السادس متعددة التخصصات – تقدم قراءة مغايرة تماما لما جرى.
بحسب التقرير، فإن نقطة انطلاق الأزمة كانت مرتبطة بمادة الكبريت، الذي يُعد المادة الأولية الأساسية لإنتاج حمض الكبريتيك، وهو بدوره العنصر الجوهري في تصنيع الأسمدة الفوسفاطية. ومع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، تراجعت بشكل فعلي تدفقات الكبريت العابرة لمضيق هرمز، الذي يمر منه نصف الإنتاج العالمي تقريبا من هذه المادة. ونتج عن ذلك ارتفاع صاروخي في الأسعار، من نحو 500 دولار للطن إلى ما يقارب 1400 دولار في غضون أسابيع قليلة.
وقد تفاقم الوضع بفعل عاملين إضافيين: قرار الصين، أكبر مصدر عالمي لحمض الكبريتيك، تعليق صادراتها حتى نهاية غشت، وتأثر الإنتاج الروسي – الذي يمثل نحو 3 ملايين طن سنويا من الكبريت – بضربات أوكرانية استهدفت منشآت الإنتاج والشحن، وهو ما انعكس أيضا على صادرات كازاخستان العابرة للأراضي الروسية.
وفي المقابل، شهدت الأسواق الزراعية العالمية تراجعا في أسعار القمح والذرة والصويا، بعد موسم 2025-2026 الذي كان قياسيا على المستوى العالمي، الأمر الذي دفع عددا من المزارعين، خصوصا في البرازيل حيث يعرف القرض الفلاحي ضغوطا كبيرة، إلى تأجيل مشترياتهم من الأسمدة.
أمام هذا الوضع، اختارت OCP منذ نهاية فبراير نهج الحذر، عبر تقديم مواعيد الصيانة المبرمجة أصلا للنصف الثاني من السنة، وخفض إنتاجها من الأسمدة بنسبة تقارب 30%، تجنبا لشراء الكبريت بأسعار مرتفعة جدا أو تخزينه في ظل احتمال انهيار الأسعار إذا أعيد فتح مضيق هرمز.
لكن نهاية مايو شهدت تحولا في القرار، حيث تقرر العودة إلى 100% من القدرة الإنتاجية بحلول نهاية يونيو، وذلك بفعل تزامن عدة عوامل: دخول البرازيل والهند في موسميهما الفلاحيين الكبيرين مع تراجع مخزونات الدول المستوردة إلى مستويات منخفضة جدا، إضافة إلى توجه عدد من الدول الأوروبية – بحسب التقرير – نحو تكوين مخزونات استراتيجية من الأسمدة على غرار ما يحدث مع النفط والغاز، في سياق تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي العالمي.
بينما اضطرت شركات منافسة كبرى مثل “موزاييك” الأمريكية إلى خفض إنتاجها بنسبة 50% في عدة مواقع، وتوقف منتجون برازيليون بشكل كامل بعد أن أصبح الإنتاج في ظل أسعار الكبريت المرتفعة غير مربح، تمكنت OCP من الاستمرار في تحقيق هوامش ربح، وهو ما يُعزى – بحسب التقرير – إلى استراتيجية “ريادة التكلفة” التي تشكل ميزتها التنافسية الأساسية، والمرتبطة أساسا بخصائص الصخرة الفوسفاطية المغربية نفسها.
وتعمل المجموعة في الوقت ذاته على تنويع مصادر إمدادها من الكبريت، عبر اللجوء إلى كميات إضافية من كندا والعراق، فضلا عن إعادة الاعتماد على خام البيريت كمادة بديلة، كما كان معمولا به في ستينيات القرن الماضي.
من أهم التحولات التي رصدها التقرير، التسريع في إنتاج سماد “السوبر فوسفاط الثلاثي” (TSP)، الذي يتيح للفلاحين التحكم بشكل منفصل في تسميد النيتروجين والفوسفور بدل الصيغ المعيارية التقليدية التي تؤدي إلى هدر جزء كبير من النيتروجين. وقد ساهم ارتفاع أسعار اليوريا من 300 إلى 900 دولار للطن في تعزيز جاذبية هذا المنتج، الذي يستهلك أيضا كمية أقل من الكبريت بنسبة تتراوح بين 30 و50%.
وانعكس هذا التوجه في الأرقام، حيث ارتفعت حصة منتجات TSP وTSP+ من 30% إلى 65% من محفظة مبيعات المجموعة، فيما حتى السوق الهندية، التي تعتبر تاريخيا سوقا لسماد DAP، أطلقت لأول مرة طلب عروض لشراء سماد TSP.
يضع التقرير هذا التطور في سياق تاريخي أوسع، إذ يرى أن OCP مرت على مدى قرن من وجودها بثلاث محطات تحول كبرى: الأولى بين 1920 و2006 تمثلت في الانتقال من تصدير الصخور الخام إلى تحويلها إلى حمض الفوسفوريك عبر منصة الجرف الأصفر. والثانية بين 2006 و2017، حيث ارتفع الإنتاج من 2.5 مليون طن إلى 10 ملايين طن، مع إنشاء شركة الهندسة “جيزا” وذراع “OCP أفريقيا” وجامعة UM6P. أما المحطة الثالثة، المنطلقة منذ 2017، فتتمثل في التوجه نحو حلول التسميد المخصصة والكيمياء المتخصصة، بما يشمل استخراج اليورانيوم والفلورين والأتربة النادرة من الصخرة الفوسفاطية.
يشير التقرير إلى أن جامعة UM6P تعمل على تطوير تقنيات لاستخراج مكونات ثمينة من الفوسفاط، أبرزها اليورانيوم والفلورين والفاناديوم، حيث تشير التقديرات إلى أن الكميات القابلة للاسترجاع – بوتيرة الإنتاج الحالية – قد تكفي لتغطية احتياجات 15 مفاعلا نوويا سنويا. كما تجري العمل على استخلاص الكبريت من “الفوسفوجبس”، المخلف الصلب الناتج عن عملية التحويل، لإعادة حقنه في الدورة الإنتاجية، إضافة إلى إمكانية استخراج “الكلينكر” منه لاستخدامه في صناعة الإسمنت.
يتطرق التقرير أيضا إلى الجدل الأوروبي حول مادة الكادميوم في الأسمدة الفوسفاطية، معتبرا أنه استُخدم كورقة ضغط في سياق مفاوضات بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وترد المجموعة على ذلك بمعطيين: أن الفوسفاط المغربي يطابق حاليا المعايير الأوروبية المعمول بها (60 ملغ/كلغ)، وأنها تعمل عبر تقنيات طورتها UM6P على خفض هذه النسبة إلى أقل من 20 ملغ/كلغ في أفق 18 شهرا.
أرقام وآفاق 2035
وبحسب التقرير، يُتوقع أن يتجاوز رقم معاملات OCP Nutricrops لعام 2026 مستواه المسجل في 2025، في حين يبقى الهدف الأكبر هو الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 35 مليون طن من الأسمدة بحلول 2035، مقارنة بـ19 مليون طن متوقعة في 2028، وأقل من 3 ملايين طن في 2006.
ويختم التقرير بأن المجموعة تنظر إلى الأزمة الراهنة كفرصة لتسريع استراتيجيتها، في سياق عالمي تعيد فيه قضية الأمن الغذائي ترتيب أولويات السوق، بما يضع OCP في موقع يتجاوز كونها مجرد منتج عالمي للفوسفاط، نحو أن تصبح – بحسب توصيف أحد قياديها – “الملاذ الأخير” بالنسبة للأسواق العالمية.
















