في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العدالة الإسبانية، أكدت المحكمة العليا يوم الخميس 18 يونيو 2026، مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي الذي أبقى المواطن المغربي أحمد طموحي خلف القضبان لمدة 15 عاما. يأتي هذا الحكم بعد مسار قضائي طويل امتد لأكثر من ثلاثة عقود، بدأت فصوله في إقليم كتالونيا سنة 1991.
أحمد طموحي، المولود سنة 1951 في مدينة الناظور، هاجر إلى أوروبا بحثا عن العمل وبناء مستقبل أفضل. في خريف 1991، وجد نفسه متورطا في سلسلة من جرائم الاغتصاب والسرقة. اعتمدت المحاكم الإسبانية على التعرف البصري من قبل الضحايا والشهود لإدانته، رغم وجود قرائن مادية كانت تميل إلى تبرئته. أظهرت تحاليل الحمض النووي لاحقا أن عينات السائل المنوي المرفقة في الملف لا تتطابق مع عينات طموحي، وهو ما شكل نقطة التحول المركزية في القضية.
رغم تبرئته علمياً، استمرت إدانة طموحي لسنوات طويلة. في سنة 1995، جرى توقيف أحد المغتصبين الحقيقيين، مما كشف عن خطأ جوهري في مسار التحقيق. لكن النيابة العامة رفضت فتح الملف من جديد. ظل طموحي يواصل معركته القضائية لسنوات، إلى أن بدأت المحكمة العليا الإسبانية في مراجعة الأحكام تباعا منذ سنة 2023. في دجنبر الماضي، أصدرت قرار البراءة النهائية من آخر الأحكام المتبقية.
اعتبرت المحكمة العليا أن القضاء الذي أدان طموحي تجاهل بشكل غير مبرر دليلا جنائيا “موضوعيا وحاسما” كان موجودا أصلا داخل الملف. سجل الحكم أن هذا الإغفال أدى إلى “انهيار العملية المنطقية لتشكيل القناعة القضائية”. ألزمت المحكمة الدولة بأداء تعويض مالي قدره 2.5 مليون يورو لفائدة طموحي، معتبرة أن ما تعرض له كان “خطأ قضائي قاطع وجسيم” انتهك حقه الأساسي في الحرية.
على امتداد 34 عاما، لم يتوقف أحمد طموحي عن المطالبة بإثبات براءته. رفض حتى عرض العفو الذي قدم له، لأنه كان يعتبر أن العفو “يمنح للمذنبين لا للأبرياء”. تضاعفت مأساته بعد بتر إحدى ساقيه قبل سنوات، مما جعله يشعر بأن العدالة سرقت منه نصف عمره ونصف جسده. لعبت محاميته سيليا كاربونيل، إلى جانب أستاذ القانون الإجرائي توماس فيسنتي باليستيروس، دورا حاسما في إعادة فتح الملفات وتقديم طعون المراجعة التي انتهت بإسقاط كل الأحكام.
















