رغم تراجع 48.7%.. “OCP” المغربي يترقّب قيادة سوق الأسمدة الأوروبية من بوابة الانهيار الروسي
وطن أنفو – متابعة اقتصادية
في مشهد اقتصادي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه حسابات الحرب والعقوبات وأزمة الطاقة وإعادة رسم خرائط التجارة العالمية، تبدو الأرقام المتعلقة بصادرات المغرب من الأسمدة الفوسفاطية نحو أوروبا في الربع الأول من 2026 مثيرةً للقلق في ظاهرها، لكنها تخفي في عمقها قصة مختلفة تماماً عن التراجع والانكسار.
انخفضت صادرات المغرب من الأسمدة الفوسفاطية نحو الاتحاد الأوروبي من 402 ألف و611 طناً إلى 206 آلاف و702 طن خلال الربع الأول من 2026، بتراجع صاعق بلغ 48.7 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من 2025. رقم يبدو للوهلة الأولى مؤشراً على تراجع مكانة المغرب في سوق أوروبية كان يُفترض أنها تنفتح بعد تقليص الإمدادات الروسية.
لكن القراءة التحليلية لبيانات منصة Trade Data Monitor تكشف أن هذا التراجع ليس مغربياً في جوهره، بل هو أزمة طلب أوروبية بامتياز. فواردات الاتحاد الأوروبي من الأسمدة الفوسفاطية تتجه نحو مستوياتها الدنيا التاريخية، إذ لن تتجاوز خلال 2026 نحو 3.5 ملايين طن، بعد تراجع يقارب 40 بالمئة في عامين فقط، وهو أدنى مستوى منذ توفر هذه السلسلة الإحصائية.
والسبب واضح؛ ارتفاع أسعار الأسمدة العالمية أفضى إلى تآكل هوامش ربح المزارعين الأوروبيين وتقليص مشترياتهم، في حلقة مفرغة تضغط على الطلب بغض النظر عن هوية المورد. وهكذا وجد المغرب نفسه يُصدّر أقل لا لأنه فقد تنافسيته، بل لأن السوق ذاتها انكمشت.
والدليل الأقوى على ذلك أن المغرب حافظ على حصته السوقية النسبية بشكل شبه تام؛ إذ استحوذ على 27 بالمئة من إجمالي الواردات الأوروبية خلال الربع الأول من 2026، مقابل 28 بالمئة في الفترة ذاتها من 2025. تراجع هامشي في نسبة الحصة وسط انهيار الكعكة كلها.
كان المنطق البسيط يقول إن خروج روسيا من السوق الأوروبية يعني مكاسب مباشرة للمنتجين الآخرين. لكن الواقع جاء أكثر تعقيداً. فروسيا التي كانت تستحوذ عام 2022 على 57 بالمئة من الواردات الأوروبية في الربع الأول، تقلصت حصتها اليوم إلى 6 بالمئة فقط، بعد انخفاض يناهز 90 بالمئة في الكميات المُصدَّرة؛ إذ لم تتجاوز الواردات الأوروبية من الأسمدة الروسية خلال الربع الأول من 2026 سوى 46 ألفاً و19 طناً، مقابل 442 ألفاً و846 طناً في الفترة ذاتها من 2025.
غير أن هذا الخروج الروسي الكبير لم يُترجَم إلى مكاسب فورية للمنتجين البدلاء، لأن انهيار الطلب الأوروبي استوعب الفراغ قبل أن تملأه الإمدادات البديلة. وهو ما يعني أن المعركة الحقيقية على السوق الأوروبية لم تبدأ بعد، وأن نتائجها ستتحدد في مرحلة انتعاش الطلب المتوقعة ابتداءً من 2027.
والرسوم الأوروبية المتصاعدة على الأسمدة الروسية تجعل هذا الخروج شبه نهائي؛ فمن 45 يورو للطن في يوليوز 2025، ترتفع إلى 70 يورو في يوليوز 2026، ثم إلى 95 يورو في 2027، قبل أن تقفز إلى 430 يورو للطن في 2028، في تصعيد أوروبي غير مسبوق يُغلق الباب أمام روسيا بشكل شبه كامل.
تخلص الدراسة التحليلية إلى أن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط ستكون المستفيد الأكبر من إعادة تشكيل خريطة تجارة الأسمدة الأوروبية خلال 2027 و2028، استناداً إلى جملة من المقومات التنافسية يصعب تعويضها في المدى القريب.
فالمغرب يجمع في حالته ما لا يجتمع في كثير من المنافسين؛ قاعدة صناعية متطورة وقدرات إنتاجية ضخمة، وشبكة موانئ تربطه مباشرة بالأسواق الأوروبية، وعلاقات تجارية تاريخية مستقرة مع كبار المستوردين، فضلاً عن قرب جغرافي يمنحه أفضلية لوجستية واضحة على المنافسين البعيدين.
وقد بدأت ملامح المنافسة الجديدة تتضح؛ إذ سجّلت المملكة العربية السعودية أول دخول لها إلى السوق الأوروبية للأسمدة الفوسفاطية في الربع الأول من 2026، فيما يُتوقع أن تُعزز النرويج ومصر وإسرائيل حضورها تدريجياً. لكن الدراسة تؤكد أن هؤلاء المنافسين سيجدون أمامهم منافساً مغربياً محترفاً يمتلك السبق والتجربة والبنية الجاهزة.
الخلاصة التحليلية التي تقدمها الدراسة واضحة وحاسمة؛ ما يشهده المغرب اليوم من تراجع في صادراته الفوسفاطية نحو أوروبا هو مرحلة انتقالية مرتبطة بظرفية استثنائية، لا مؤشر على تراجع هيكلي أو فقدان للموقع التنافسي.
وحين تعود أسعار الأسمدة العالمية إلى مستويات أكثر توازناً، وحين تستعيد الزراعة الأوروبية جزءاً من قدرتها الشرائية، سيجد المغرب نفسه في مقدمة المستفيدين من موجة الطلب الجديدة، في سوق خرج منها المورد الروسي العملاق وتركَ وراءه فراغاً لن يستطيع أحد ملأه بسهولة سوى من يملك الجاهزية والقرب والتجربة.
















