هزّت فاجعة صحية بالمستشفى الجهوي بكلميم الرأي العام بجهة كلميم واد نون، بعدما دخلت سيدة حامل في غيبوبة تامة عقب خضوعها لعملية ولادة، وتوفي مولودها بعد نقله على عجل إلى مصحة خاصة. الحادثة أثارت موجة غضب شعبي واسع وتساؤلات حول مدى جاهزية المرفق الصحي الجهوي لاستيعاب الحالات الحرجة، قبل أن تنتقل من التداول على منصات التواصل الاجتماعي إلى قبة البرلمان، عبر سؤال كتابي مستعجل وجهته النائبة عويشة زلفى، عن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية.
كشف السؤال البرلماني عن وجود اتهامات مباشرة بالإهمال الطبي في تدبير الحادثة، إضافة إلى ما وصفته النائبة بتكتم وإحجام إدارة المستشفى عن التواصل مع أسرة الضحية، وهو ما غذّى، بحسب السؤال نفسه، شعوراً متنامياً بانعدام الثقة في هذا المرفق الصحي لدى ساكنة الجهة. ولم تقتصر مساءلة النائبة على واقعة الإهمال الطبي وحدها، بل امتدت إلى ما اعتبرته شبهات حول هدر المال العام داخل المستشفى ذاته.
اعتبر السؤال الكتابي أن اضطرار المستشفى الجهوي إلى نقل المولود إلى مصحة خاصة يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى توفر التجهيزات الأساسية بقسم الولادة، وحول النقص الحاد في الأطر الطبية المتخصصة، خصوصاً أطباء التخدير والإنعاش. واستغربت النائبة زلفى استمرار هذه الاختلالات وتكرر الشكايات بشأنها، رغم ما تم رصده سابقاً من اعتمادات مالية مهمة كانت موجهة أصلاً لتأهيل وتجهيز هذا المستشفى بالذات – وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أوسع حول مآل تلك الميزانيات وأوجه صرفها الفعلية.
طالبت البرلمانية وزير الصحة بالتدخل الفوري عبر جملة من الإجراءات: فتح تحقيق إداري وطبي مستقل ومستعجل لكشف ملابسات الفاجعة وتحديد المسؤوليات؛ إيفاد لجنة تفتيش لإجراء افتحاص إداري ومالي شامل للمستشفى، للوقوف على أوجه صرف الاعتمادات المالية المخصصة له؛ ترتيب المسؤوليات والمحاسبة، وبالتحديد مع المدير الجهوي للمستشفى؛ إضافة إلى اتخاذ حلول عاجلة لسد الخصاص في الموارد البشرية لضمان سلامة النساء الحوامل بالجهة.
هذا التصعيد المؤسساتي يمنح الملف بعداً رسمياً يتجاوز التفاعل الظرفي على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ يضع الوزارة الوصية أمام التزام قانوني بالرد داخل مجلس النواب، ويحوّل مطالب المحاسبة من موقف سياسي فردي إلى مسطرة رقابية برلمانية قابلة للتتبع، تخص هذه المرة بالاسم المسؤول الأول عن تدبير المستشفى الجهوي.
تكشف هذه الفاجعة، إن صحّت تفاصيلها، عن إشكال يتجاوز حالة فردية واحدة، ليطرح تساؤلات حول تكافؤ الخدمات الصحية بين الجهات، خصوصاً في تخصصات لا تحتمل أي هامش للتقصير كطب النساء والتوليد. فالمستشفيات الجهوية بالمناطق الجنوبية كثيراً ما تُثار حولها تساؤلات متكررة بخصوص محدودية التجهيزات وضعف التأطير التخصصي مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى، وهو ما يجعل أي طارئ صحي في مثل هذه المناطق أكثر عرضة للتعقيد.
إلى جانب البعد الصحي والمؤسساتي، أثارت الواقعة انتقادات لأداء بعض المنابر الإعلامية الجهوية، وعلى رأسها القناة الجهوية بالعيون، التي وُجّه لها سؤال مباشر حول غيابها عن تغطية قضايا حية تمس يوميات المواطنين، مقابل حضورها الأكثر انتظاماً في المناسبات الرسمية أو تقديم واجب العزاء عقب الوفيات دون مواكبة استباقية للإشكالات التي تسبقها. وهذا النقد يعيد طرح سؤال أعمق حول دور الإعلام الجهوي: هل يقتصر على تغطية الأحداث البروتوكولية، أم يمتد ليشمل رصد الاختلالات اليومية في قطاعات حيوية كالصحة، قبل أن تتحول إلى فضيحة رأي عام عبر منصات التواصل؟
يبقى ملف المستشفى الجهوي بكلميم اختباراً حقيقياً لجدية الوزارة الوصية في التعامل بشفافية مع القطاع الصحي بالجهة، بعيداً عن منطق التسويف. فبين المطالبة بالتحقيق، والافتحاص المالي، وترتيب المسؤوليات باسمها المحدد، يجد المسؤولون المحليون أنفسهم أمام التزام صريح بالرد أمام مؤسسة تشريعية، في وقت تنتظر فيه ساكنة الجهة إجراءات ملموسة تعيد الثقة إلى مرفق صحي يُفترض أن يكون أول من يصون أرواح المواطنين.
















