تتجه العلاقات المغربية الإسبانية نحو مرحلة جديدة من الاختبار الدبلوماسي الحرج، عقب الإعلان الرسمي الصادر عن القصر الملكي ورئاسة الحكومة الإسبانيين بشأن الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 13 و14 أكتوبر الجاري.
تأتي هذه الزيارة، التي تُعد الأولى للعاهل الإسباني الحالي منذ اعتلاؤه العرش، بعد يوم واحد فقط من احتفالات إسبانيا بعيدها الوطني في 12 أكتوبر، لتسلط الضوء مجدداً على واحدة من أكثر القضايا التزاماً وحساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين الجارين.
سياق زمني دقيق وأبعاد تاريخية
تكتسي هذه الخطوة أبعاداً جيو-سياسية وتاريخية بالغة الأهمية؛ إذ تعيد إلى الأذهان آخر زيارة ملكية إسبانية للمدينتين قام بها الملك السابق خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا عام 2007، وهي الزيارة التي تسببت حينها في أزمة دبلوماسية حادة بين الرباط ومدريد وشهدت استدعاء السفير المغربي للتشاور وتجميد العديد من قنوات التواصل الرسمي.
وتأتي تحركات المؤسسة الملكية الإسبانية في أعقاب التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها المنطقة، ولا سيما موجات التدفق الجماعي للمهاجرين غير النظاميين نحو سبتة في أواخر يوليوز الماضي. وهو الحدث الذي وضع ضغوطاً سياسية وأمنية كبيرة على حكومة بيدرو سانشيز، ودفع مدريد إلى إعادة مراجعة استراتيجياتها المتعلقة بحماية الحدود وتكثيف التنسيق مع المؤسسات الأوروبية.
التمهيد السياسي للزيارة
لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة، بل سبقها تمهيد تدريجي من قبل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي صرح في أواخر شهر أغسطس الماضي بأن زيارة الملك إلى سبتة ومليلية ستتم “متى توفرت الظروف المناسبة”، مؤكداً على أولوية تقديم الدعم المؤسساتي لأهالي المدينتين. وأعاد سانشيز التذكير بموقفه في سبتمبر المنصرم، معتبراً أن الزيارة أضحت ضرورة ملحة للوقوف على التحديات الميدانية وترسيخ الحضور المؤسساتي للدولة.
من جهته، كان الملك فيليبي السادس قد أعرَب في وقت سابق عن قلقه تجاه المستجدات الحدودية، مشدداً على أن حماية حدود سبتة ومليلية لا تندرج ضمن المسؤوليات الوطنية لإسبانيا فحسب، بل تمثل حمايةً للحدود الجنوبية الخارجية للاتحاد الأوروبي ككل، داعياً إلى تفعيل مبدأ التضامن وتقاسم المسؤوليات على المستوى القاري.
تداعيات محتملة على الخطاب والسيادة
تفتح هذه الزيارة الباب أمام قراءة متجددة للملف من الزاوية المغربية؛ حيث يجدد المغرب باستمرار موقفه الثابت المطالب باستعادة السيادة على مدينتي سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما، معتبراً إياها أراضٍ مغربية محتلة وجزءاً لا يتجزأ من ترابه الوطني.
ومن المتوقع أن تثير هذه الخطوة ردود فعل سياسية ودبلوماسية من جانب الرباط، في وقت تسعى فيه الدولتان عادة إلى الحفاظ على حد أدنى من التوازن والشراكة الأمنيّة والاقتصادية. ويبقى الترقب سيد الموقف حول طبيعة الموقف الرسمي المغربي المنتظر، وما إذا كانت هذه الزيارة ستؤدي إلى تجميد مؤقت للتقارب الأخير، أم أن الطرفين سيتجهان نحو احتواء التوتر وتفادي التصعيد الدبلوماسي.
















