لم يكد الحكم يُصفّر نهاية المباراة حتى انتقل النقاش من المدرجات إلى قاعات القرار، ومن الملاعب إلى أروقة الدبلوماسية. فقرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم بسحب لقب كأس أمم إفريقيا 2025 من المنتخب السنغالي ومنحه للمنتخب المغربي، لم يكن مجرد حدث رياضي، بل أشعل جدلاً امتدت تداعياته لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل تصمد علاقة بُنيت على مدى قرون أمام اختبار ملعب كرة القدم؟
استند القرار إلى المادة 84 من لوائح كأس أمم إفريقيا، التي تُجرّم الانسحاب من المنافسة، بعد أن غادر لاعبو المنتخب السنغالي أرض الملعب في المباراة النهائية خرقاً صريحاً للوائح، في ما اعتبرته الهيئات المختصة إخلالاً جسيماً بمبدأ الاستمرارية الرياضية وروح التنافس النزيه.
غير أن ما لفت الانتباه لم يكن القرار في حد ذاته، بل سرعة تحوّله من شأن رياضي إلى قضية ذات أبعاد سياسية، إذ سارعت أصوات رسمية سنغالية إلى إطلاق تصريحات حادة، غذّتها حسابات رياضيين وإعلاميين معروفين بمواقفهم المعادية للمغرب، وصلت حد الادعاء بمنع السفير المغربي في داكار من دخول باحة المسجد لأداء صلاة العيد، في رواية لم يثبت صحتها أي مصدر موثوق.
لفهم ما يجري، لا بد من العودة إلى ما قبل كأس الأمم بقرون. فالعلاقة المغربية السنغالية لم تنشأ في غرف المفاوضات الدبلوماسية، بل ترسّخت في طرق القوافل التي كان يقطعها التجار والدعاة عبر الصحراء، منذ عهد الدولة المرابطية، لتتشكل من خلالها روابط اجتماعية وروحية لم تنقطع.
وتجلّت هذه الروابط في أبهى صورها عبر الطريقة التيجانية، التي جعلت من فاس وتيواون قطبين لرحى واحدة، فضريح الشيخ أحمد التجاني في فاس لا يزال حتى اليوم قبلة روحية تستقطب آلاف الحجاج السنغاليين سنوياً، في مشهد يختزل عمق الانصهار الإنساني والثقافي بين البلدين.
مع الاستقلال، تحوّلت هذه الروابط التقليدية إلى شراكة دولة بدولة، إذ كان المغرب من أوائل الدول التي احتضنت السنغال إبان استقلالها سنة 1960، وشكّل اتفاق 27 مارس 1964 الركيزة المؤسسية لهذا التعاون، قبل أن يُحيي البلدان ذكراه الستين في فبراير 2025 في سياق يعكس استمرارية العلاقة واتساقها.
والأرقام وحدها تقول الكثير؛ فالملك محمد السادس زار السنغال ثماني مرات منذ اعتلائه العرش، وهو ما لم يفعله مع أي دولة إفريقية أخرى، في دلالة رمزية على المكانة الخاصة التي تحتلها داكار في السياسة الإفريقية للمغرب.
لا يمكن قراءة هذه العلاقة بمعزل عن ملف الوحدة الترابية، الذي يمثل اختباراً حقيقياً لعمق أي شراكة مع المغرب. وفي هذا الإطار، أعلنت السنغال في مناسبات متعددة دعمها للسيادة المغربية على أقاليمها الجنوبية، ومساندتها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطاراً للحل ضمن المسار الأممي، وهو ما ترجمته داكار بشكل ملموس بافتتاح قنصلية عامة لها في مدينة الداخلة في أبريل 2021.
وجاء التأكيد على هذا التوجه من أعلى المستويات، حين أعاد الوزير الأول السنغالي أوسمان سونكو، في ختام أعمال اللجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية السنغالية بالرباط في يناير 2026، التي شارك فيها رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، التأكيد على دعم بلاده للوحدة الترابية للمملكة وللقرار الأممي 2797، ومساندته لمبادرة الحكم الذاتي.
تمتد العلاقة بين البلدين إلى ما هو أبعد من التنسيق السياسي، لتشمل التكوين الديني والتعليم العالي والصحة والبنية التحتية والاستثمار، مع حضور مؤسسي مغربي قوي في السوق السنغالية. وقد أسهم تخرّج أجيال من النخب السنغالية من الجامعات المغربية في تعميق هذا التقارب وترسيخ رصيد إنساني وثقافي مشترك يصعب تبديده.
في ضوء كل ذلك، يبدو التصعيد اللفظي الراهن أقرب إلى تفاعل آني مع ضغط الرأي العام الداخلي، خاصة في ظل المكانة الاستثنائية التي تحتلها كرة القدم في الوجدان الشعبي السنغالي، منه إلى رغبة حقيقية في الدفع نحو أزمة دبلوماسية مفتوحة.
ما يجري اليوم في أعقاب قرار “الكاف”، أو ما قد يتبعه من مسار أمام محكمة التحكيم الرياضي “الطاس”، هو في جوهره اختبار لصلابة علاقة راسخة، لا تهديد حقيقي لبنيانها. فالتاريخ المشترك وكثافة المصالح المتبادلة وتعدد قنوات الحوار، كلها عوامل تجعل من سيناريو القطيعة أمراً مستبعداً.
















