الخلايا المتطرفة بالمغرب: عندما يتوهم الشاب أنه أصبح مجاهدا !!
1- من الانحرافات الخطيرة في تفكير المتدين المتطرف الذي ينتهج الغلو فكرا وسلوكا ؛ ما أسميه شخصيا ” الجهاد المتوهم” وهو انحراف يغلف العقل و التفكير و الرؤية و يفسد الذوق و يعمي البصيرة..
لقد أذن الله لنبيه سيدنا محمد بالجهاد؛ وهي كلمة عربية مشتقة من الجهد ؛ فان كان جهدا في التأمل كان اجتهادا ؛ و ان كان جهدا موجها إلى النفس كان مجاهدة ؛ وان كان جهدا متفاعلا مع الآخر في ساحة الحق والباطل سمي جهادا..
وهو بكل بساطة وبقليل من تدبر القرآن و السنة و السيرة النبوية “استعمال القوة لرد القوة الباغية المعتدية ” ..
لم يكن جهاد الأنبياء استعمال قوة ابتداء ابدا؛ و مشكلة الفكر المتطرف و الجهادي أنه يتجاهل جميع القرائن الحافة بانتقال النبي (ص) من الدعوة باللسان و الموعظة الحسنة إلى استعمال القوة و السلاح؛ و يدعي تخرصا أن جهاد النبي كان ابتداء بالقتال ..
سيكون من العبث تصديق مرافعة يدعي فيها أحدهم ” بأن المغرب في بداية القرن العشرين قد هاجم فرنسا بالسلاح؛ فاضطرت فرنسا لفرض الحماية عليه “!!
إن قلب المفاهيم يصعب معه الحوار والاقناع ..
فأن تمحو من ذاكرة التاريخ ؛ السياق الواقعي و الحقيقي للسردية الحقيقية للدعوة الإسلامية و ظروف تشريع الجهاد ، لهو أخطر تحريف تمارسه الحركات الجهادية المتطرفة ..
2 – لقد جاء الجهاد ضمن مسار يبدأ بنزول القرآن؛ و دعوة النبي المكرم لأقاربه سرا و خوفا ؛ و هجوم المشركين على كل من استجاب للنبي و هروبهم إلى الحبشة ابتداء خوفا من القتل؛ و كف النبي و الذين آمنوا لأيديهم عن الرد والمواجهة ؛ ثم هجرة النبي المكرم الى المدينة خوفا من القتل؛ و استشهاد العديد ممن اسلم نتيجة الارهاب الممارس على أهل القرآن.. لتكون النتيجة النهائية هي أن كل من أسلم يقتل ؛ و كل من هاجر مع النبي اي غادر مكة؛ تصادر وتسرق امواله ؛ ففقد المؤمنون مقومات الحياة ، أرضهم و أموالهم !! لينزل القرآن بعد الهجرة مباشرة بالأمر بالجهاد ؛ ويبين دواعي هذا الجهاد بالسلاح ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، و إن الله على نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق.. ) الآية.. وهو نص قطعي ورودا ودلالة و لا يحتاج أي تأويل ؛ فالله تعالى يأمر نبيه ومن معه بالجهاد بسبب التهحير و الظلم الواقع عليكم ..
فكيف ينظر المتطرفون و أصحاب الخلايا الارهابية إلى حملهم السلاح اليوم؛ مدعين أنهم يملكون الفهم الصحيح لسنة نبينا عليه افضل الصلاة والسلام ؟
إن الجهاديين المعاصرين هم نتاج سلسلة من الانحرافات النفسية التي صنعت في سجون دول عربية معروفة ؛ وقد كتب سجناؤهم كتبهم وتأويلاتهم في ظروف غير عادية ؛ فلإن كان النبي قد تلقى الوحي في غار حراء ؛ و فوق جبل يرمز للخلوة والعزلة و التأمل و الحرية ؛ فإن منظري التطرف قد تلقوا أفكارهم في ظروف القمع و التشوش و السجون ؛ لهذا اصطبغت أفكارهم بكل ملوثات التفكير السليم وأبرزها :
أ – الفكرة الخائفة: و هي الفكرة التي تنتج من ظروف نفسية مضطربة تنظر الى العالم الذي خارج السجن بمثابة عدو ضال و ظالم ؛ و تقصر الخيرية على من يشاركها الألم و المعاناة و الحزن ؛ ولهذا يقرأ المتطرف سيرة النبي بنظارات السواد و الخوف و الانتقام ؛ و تتضخم في عينيه لحظة تعذيب بلال بن رباح و استشهاد ياسر .. و تختفي من صفحة تفكيره مساكنة النبي لعمه المشرك ابي طالب !!
إنها نظرة تستمتع بتجميع لحظات الاضطهاد في السيرة؛ و اخفاء لحظات الحوار و الموعظة و المجادلة بالتي هي إحسن ؛ بل تمحى عمدا آلاف القصص عن ” معاشرة الصحابة ” لأسرهم و عائلاتهم المشركة ؛ وفوق كل هذا ؛ ألم ينزل القرآن موجها من أسلم ألا ينهر و لا يتأفف في وجه والديه المشركين ؟ والدعوة الى مصاحبتهما بالمعروف ولو جاهدا في الصد عن الاسلام ؟
إن الفكر المتطرف مولع بكل فكرة خائفة ؛ و العلاج هو ادخال المتطرف في “حمام فكري” بارد معقم ؛ حمام من الأفكار الهادئة و المطمئنة؛ ولا يتحقق هذا إلا بان يعيش المتطرف في (منتجع/ معتقل) يتأسس على أسس الجمال العمراني ؛ و وسط رفوف مكتبة مطمئنة؛ ناسخة للأفكار المتطرفة ؛ ليستنشق بعدها المتطرف هواء طاهرا منعشا يرد له ذاكرته الفطرية.
ب – المجاهد الحي : مطلوب كذلك أن يجالس المتطرف المجاهدين الأحياء ؛ الذين قضوا سنوات عمرهم يقاومون الاستعمار في جهاد صادق جلي على خطى الانبياء ؛ مجاهدون حملوا السلاح كرها ضد عدو يتقصد سرقة الارض و المال و المستقبل و الأحلام ؛ أعرف يقينا أنه من الصعب اقناع المتطرف بأن ( الشاف لحسن ) رحمه الله؛ و هو “والدي” الذي كان مجاهدا ضد السبليون و الفرانسيس” في خمسينات القرن العشرين ؛ و سبب تعذر اقتناع المتطرف هو هيمنة حضور “المجاهد التخيلي” الذي حشي به مخيال المتطرف عبر جلسات من الشحن و غسبل الدماغ ..
فالمتطرف يستدعي ذهنيا ذلك المجاهد الذي عاش مع النبي؛ و المستعصي على التحقيق اليوم ؛ فهو مجاهد من اليوطوبيا و الخيال ؛ نعجب به نعم؛ ولكن لا نستطيع بلوغ قدره ؛ لقد كان تقيا وقويا وشديدا على المشركين ؛ و لكن صفاته انقرضت مع موته ؛ فهو حي في الماضي و مستحيل في الحاضر و المستقبل ؛ و الذي يمعن التأمل في هذا التصور يجده (قريبا من الكفر) لانه يشك في امكانية تطبيق آيات القرآن في هذا العصر !!
3 – إنني أشعر بالفخر أنني أنتمي لأبناء المقاومين واعضاء جيش التحرير بالمملكة الشريفة؛ الذين جاهدوا بأمواهم وأنفسهم ضد العدو المستعمر في أواسط القرن العشرين ؛ متسلحين بايمانهم بالله و تأسيهم بسنة رسول الله ؛ وقد عايشت والدي رحمه الله ملازما للمسجد، و محبا لعمل الخير ، و فاتحا بيته للفقراء و المساكين وذي القربى؛ و قد عشنا معه فريضة الجهاد مفهوما نظريا و تطبيقا عمليا؛ فكان رحمه الله عندما يحدثك عن الصبر و الاثخان في العدو ؛ فإنه يكشف لك عن ظهره و عن ذراعيه ليريك أثر رصاصة هنا، و بقايا جروح شظايا قنبلة على الرأس و الساقين..
يحدثك عن صلاة الخوف عند ملاقاة العدو ؛ و عن دور الدعاء في التثبيت على أرض المعركة ؛ وعن الجوع و كسرة خبز و حسوة ماء التي كانت تكفي الثلاثة والعشرة ؛ و عن دفن الشهداء في قبر واحد و عن تلقينه الشهادة لصديقه الذي مات بين يديه؛ و عن صلاة الخوف و المسح على الجبيرة الملضخة بدم الجهاد .. و عن أسرار و أنوار كانت تتراءى للمجاهدين قبيل الفجر وهم يستغفرون و يدعون للسلطان..
صدقوني ؛ يحتاج المتطرفون علاجا نفسيا ليتأهلوا للاندماح في مجتمعنا من جديد ؛ فالكثير من كتابات الإسلاميين تنتج مسلما مغتربا عن ( أهله) ؛ حالما بمجتمع ودولة مستحيلة ؛ لن تتحقق الا في أحلامهم و جلساتهم الخاصة..
لقد قرأنا في مراهقتنا بعضا من تلك الكتابات المدغدغة للعواطف الدينية و أحلام الخلافة و انتصار الاسلام ؛ فانبهرنا كالاطفال بحكاياتها زمنا ؛ ثم أدركنا خطورتها في ما بعد ؛ إنها تقدف بالشاب البريء في عالم متخيل، و جهاد متخيل، و إسلام متخيل للأسف.. وبسبب هذه التخيلات تصنع “شخصيات حدية” في المجتمع المسلم؛ لا تعترف بالاسلام الفطري الواقعي؛ بل تسعى و تجتهد لتدمير كل شىء جميل من أجل اشباع هذه الاحلام والتخيلات..
وهنا تكمن خطورة الفكر المتطرف على مملكتنا الشريفة.




