السفير الفرنسي يفتتح مساره الدبلوماسي من العيون.. رسالة سياسية في عمق الصحراء

هئية التحرير5 يوليو 2026آخر تحديث :
السفير الفرنسي يفتتح مساره الدبلوماسي من العيون.. رسالة سياسية في عمق الصحراء

العيون أولاً.. حين تتحول الدبلوماسية الفرنسية إلى رسالة سياسية في عمق الصحراء المغربية

لم يكن اختيار السفير الفرنسي الجديد فيليب لاليو لمدينة العيون محطةً افتتاحية لمساره الدبلوماسي بالمغرب مجرد قرار بروتوكولي، بل جاء مشحوناً بدلالات سياسية عميقة تتجاوز مراسم التدشين المعتادة، لتُرسّخ موقف باريس الثابت من ملف الصحراء المغربية، وتُترجم بلغة الفعل ما سبق الإعلان عنه بلغة التصريح.

حين يختار دبلوماسي بمستوى سفير يمثل القوة الأولى الأوروبية أن تكون العيون وجهته الأولى لا باريس-الرباط ذهاباً وإياباً، فإن الرسالة واضحة لمن يريد أن يقرأها: فرنسا تؤكد أن الأقاليم الجنوبية للمملكة ليست منطقة رمادية في خريطتها الدبلوماسية، بل جزء لا يتجزأ من مغرب تنسج معه “شراكة استثنائية معززة”. وهذا الاختيار في حد ذاته رد دبلوماسي صامت، لكنه صاخب في مضمونه، على كل من يسعى إلى تدويل الملف بأطروحات لا تعترف بها قوى القرار الدولي.

يستحيل فهم هذا التحرك بمعزل عن سياقه، إذ يأتي تنفيذاً طبيعياً للالتزامات التي رسمتها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمغرب عام 2024، تلك الزيارة التي أسدل فيها الجانب الفرنسي الستار على سنوات من التردد والغموض في الموقف من قضية الصحراء، ليعلن بوضوح أن مخطط الحكم الذاتي هو الأساس “الجاد والموثوق والواقعي” للتسوية. وما تدشين المقر الجديد للتحالف الفرنسي بالعيون إلا حلقة في سلسلة طويلة من الإجراءات التي تُجسّد هذه الشراكة على أرض الواقع.

الأبعاد الثقافية للزيارة لا تقل دلالةً عن أبعادها السياسية؛ فانضمام التحالف الفرنسي بالعيون إلى شبكة تضم خمس عشرة مؤسسة فرنسية موزعة من شمال المغرب إلى جنوبه، يعني أن فرنسا تُرسي حضوراً مؤسسياً راسخاً في المنطقة، يتجاوز البُعد الدبلوماسي ليمتد إلى مجالات التعليم والثقافة واللغة، وهي أدوات ناعمة لا تقل فاعليةً عن الدعم السياسي الصريح في تعزيز السيادة المغربية على هذه الأقاليم.

الجولة الميدانية التي قام بها لاليو لمشاريع المركز الاستشفائي الجامعي ومراكز التكوين المهني ووحدة معالجة المياه، ليست مجرد تفقد اعتيادي. إنها رسالة مزدوجة: من جهة تؤكد أن فرنسا شريك تنموي فعلي في الأقاليم الجنوبية، ومن جهة أخرى ترد على الرواية المضادة التي تصوّر هذه الأقاليم بوصفها مناطق منسية أو مهمّشة، وهو ما يخدم المصلحة المغربية بشكل مباشر في المحافل الدولية.

تكشف زيارة السفير لاليو للعيون أن الدبلوماسية الفرنسية تجاوزت مرحلة التصريحات إلى مرحلة التجذّر الميداني في الأقاليم الجنوبية للمملكة. وفي سياق إقليمي ودولي تتصاعد فيه الضغوط على ملف الصحراء المغربية، يبدو أن باريس وجدت في هذا التموضع الدبلوماسي المبكر والمدروس رسالةً واضحة لكل الأطراف: فرنسا اختارت موقعها، وهذا الموقع يبدأ من العيون.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل