الحريك الحزبي” بالمغرب.. حمى المقاعد تذيب الأيديولوجيا وتنعش سوق “الأعيان”

عبد الرحيم الأطرش25 يونيو 2026آخر تحديث :
الحريك الحزبي” بالمغرب.. حمى المقاعد تذيب الأيديولوجيا وتنعش سوق “الأعيان”
عبد الرحيم الأطرش

 

مع بدء العد العكسي للاستحقاقات الانتخابية التشريعية والجماعية المقررة في سبتمبر من العام الجاري (2026)، يعيش المشهد السياسي المغربي على وقع حركية ميدانية متسارعة تُعرف في الأوساط الشعبية والإعلامية بـ “الحريك الحزبي”، وهي النسخة السياسية لظاهرة “الترحال السياسي”. هذه الدينامية، التي تشتد وطأتها في الأمتار الأخيرة قبل فتح باب الترشيحات، لا تعكس نضجا برامجيا بقدر ما تكشف عن “براغماتية مفرطة” تقودها الهواجس الانتخابية وحمى الظفر بالمقاعد.

 

من “الوفاء للنضال” إلى “بورصة التزكيات”

 

إذا كان القانون التنظيمي للأحزاب السياسية والدستور المغربي قد وضعا كوابح صارمة لمنع الترحال السياسي أثناء الولاية الانتدابية (حيث يفقد كل منتخب مكانه في البرلمان أو الجماعة بمجرد تغيير لونه الحزبي خلال الولاية)، فإن الثغرة الزمنية التي تلي نهاية الانتداب وقبيل بدء الاقتراع تتحول إلى سوق مفتوحة لاستقطاب “البروفايلات الجاهزة”.

 

في هذه المرحلة، تسقط الحدود الأيديولوجية تماما؛ فلا يجد مرشح محسوب على أقصى اليسار حرجاً في الانتقال إلى حزب يوصف بالليبرالي، ولا يرى “إسلامي سابق” مانعا من قيادة لائحة حزب إداري. المحرك الأساسي هنا ليس “البرنامج” أو “القناعة الفكرية”، بل هو “التزكية وضمان المقعد”.

 

“أصحاب الشكارة” مقابل “تجديد النخب”

 

تجد الهيئات السياسية الكبرى نفسها أمام مفارقة حقيقية؛ فبينما يشدد الخطاب الرسمي والتوجيهات الاستراتيجية على ضرورة “تجديد النخب”، واستعادة ثقة المواطنين، وضمان تخليق الحياة السياسية عبر إبعاد الأسماء التي تلاحقها شبهات الفساد، يفرض الواقع الميداني شروطه.

 

تلجأ العديد من الأحزاب إلى “أعيان الانتخابات” أو من يُطلق عليهم محلياً “أصحاب الشكارة” (ذوي النفوذ المالي والقبلي)، لكونهم يمتلكون خزانا انتخابيا ثابتا ومضمونا قادرا على حسم المقاعد في الدوائر المحلية، خاصة في الأقاليم والمناطق شبه الحضرية والقروية. هذا الاستقطاب العابر للأحزاب يأتي أحيانا على حساب الأطر الشابة والمناضلين “أبناء الدار” الذين يجدون أنفسهم مستبعدين لصالح الوافدين الجدد من “الوزن الثقيل”.

 

تداعيات الظاهرة على “مزاج الناخب”

 

يرى محللون سياسيون أن هذا “الحريك الحزبي” المكثف يساهم بشكل مباشر في “تمييع الخطاب السياسي” وإفقاد الأحزاب هويتها المميزة؛ حيث يصبح من الصعب على المواطن البسيط التمييز بين وعود هذا الحزب أو ذاك ما دامت الوجوه هي نفسها تتكرر بيافطات مختلفة كل خمس سنوات.

إن نجاح محطة 2026 في إحداث قطيعة مع الممارسات السابقة رهين بمدى قدرة الأحزاب السياسية على إعمال “فرز دقيق” واستحضار مسؤوليتها الدستورية والقانونية في اختيار بروفايلات قادرة على مواكبة المشاريع الاستراتيجية للمملكة (كالنموذج التنموي الجديد والورش الاجتماعي)، بدلا من الارتهان لكائنات انتخابية عابرة للمبادئ.

 

 

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل